وسط حالة الحراك الاجتماعي الجديد في المغرب الذي سُمّي ب “حراك GenZ212″، نسبة إلى أبناء “الجيل زد”، تحرص فاطمة الزهراء “23 سنة” على متابعة النقاشات التلفزيونية والرقمية في البرامج سواء بالقنوات العمومية الفضائية أو الرقمية، في محاولة لفهم الأحداث والسياقات ومدى تطابق ما يُقال في التلفزيون أمام الواقع الذي تعيشه.

تقول فاطمة الزهراء الطالبة الجامعية، إنها فوجئت “بحجم الانفتاح الحاصل بالتلفزيون الرسمي المغربي، وتسليطه الضوء بشكل مكثف على احتجاجات أبناء جيلها”، مضيفة في تصريحها للوكالة العربية الإفريقية للأنباء أنّ “قنوات الإعلام العمومي بدأت تلعب دورها الرئيسي ومهامّها المنوطة بها، وأنها المكان الطبيعي لكي يُسمع صوت حركة “شباب جيل زد””.
حالة الطالبة فاطمة الزهراء هي واحدة من مئات آلاف الحالات المشابهة خاصة في أوساط الشباب الذين وجدوا أن الإعلام الحكومي يقوم بدور غير متوقع في سياق مواكبة الاحتجاجات الحالية، سواء من خلال تغطيات نشرات الأخبار أو عبر البرامج النقاشية التي استضافت شخصيات وزارية وبرلمانية وأخرى تمثل الشباب المُحتج.
وأقدمت القنوات الرسمية المغربية خاصة القناة الأولى والثانية على برمجة عدد من الحوارات والنقاشات الخاصة بتغطية “حراك جيل زد”، وقد عرفت حضور وزراء من الحكومة وممثلي أحزاب سياسية وأيضا نشطاء من حركة “GENZ”.
إشادات “حذرة” بتغطية الإعلام العمومي للاحتجاجات
ارتباطا بسياق الأحداث، وبروز إجماع شعبي وإعلامي مغربي على التنويه بالمستوى النقاشي في قنوات الإعلام المغربي، كان لا بد أن نسأل ونرصد ما يقوله بعض المهنيين في هذا القطاع الحيوي، حول إمكانية استدامة هذا المناخ المتحرك والديناميكي في الفضاء الإعلامي.
في هذا الصدد، يقول الصحافي مصطفى بن راضي إنه “لا يمكن إلاّ أن نُشيد بكل نافذة تُفتح في الإعلام العمومي لنقاش عمومي طبيعي، لأنها تثبت أنه يمكن أن نناقش قضايانا بشكل سويّ يخدم الدولة والمجتمع”، مُلفتا إلى أنّه “ليست المرة الأولى التي يتم فيها استيعاب خطابات جديدة”، ومستذكرا “سياق عشرين فبراير (2011) حين انفتح الإعلام العمومي على الديناميات التي كانت تؤثث تلك اللحظة السياسية، قبل أن يعود إلى الانغلاق”.
وأضاف بن راضي في تصريح خاص للوكالة العربية الإفريقية للأنباء أنه “لا يمكن الجزم بوجود تحوّل في شكل التعاطي مع النقاش العمومي من خلال انفتاح الإعلام الرسمي عقب بروز احتجاجات “جيل زد”، مشددا على ضرورة “استمرار هذه الحالة، وتعزيزها، والأهم أن تكون مسنودةً بخيار سياسي حقيقي يؤسّس لديمقراطية الفضاء العام، بما فيه الإعلام”.
بالمقابل، يتأسف الصحفي المغربي على ما وصفه ب “استمرار الدولة في ممارسة ضبط المشهد الإعلام، العمومي والخاص، والتحكّم في منسوب الحريّة، وفي الموضوعات المسموح بنقاشها”، مردفا في حديثه أنه “من أعراض هذه الوضعية أن الإعلام العمومي ينفتح تحت الطلب، ولتدبير الأزمات، ولإشاعة أجواء الانفتاح في اللحظة التي تكون فيها السلطة تحت الضغط، قبل العودة للانكفاء”.
الانقتاح يجب أن يتحول إلى أصل وليس مرحلة
ويسجل ذات المتحدث في ذات السياق “عدم تمكين كل التعبيرات السياسية الوطنية الموجودة في المجتمع من حقها في الولوج إلى الإعلام العمومي بنفس القدر، بل بعضها مقصيٌّ”، مؤكدا أنّه “إعلامٌ مموّل من المال العام، بما يستوجب عدم إغلاقه في وجه فئة من المواطنين بسبب مواقفهم سياسية”، ويُكمل أن “سقف النقاش لا يزال مُتحكّما فيه، بأكثر من آلية، أبرزها اختيار الضيوف”.
بالنسبة لمصطفى بن راضي فإن “الانفتاح الذي يبديه بعض الإعلام العمومي في كل مرة، وما لم يتحوّل إلى أصلٍ، سيبدو كأنه نافذة تفتح لتحقيق غرض امتصاص النقاش العمومي لتمرير مرحلة وفقط”، مؤكدا أن احتجاجات “جيل زد” فرضت على الإعلام الرسمي فتح باب النقاش”.

في ختام حديثه، يتمنى بن راضي “استمرار هذه الحالة الإيجابية”، لكنّه يرى أنه “لم تتراكم عناصر كافية للاقتناع أن هناك توجّها جديدا لفتح النقاش، ولإطلاق ديناميات إعلامية جديدة، باعتبار الإعلام العمومي أبرز واجهات الديمقراطية”، مُفيدا أن “الدولة التي لا تنزعج من فتح الإعلام للنقاش العمومي تساهم في ترشيد الفعل السياسي والمجتمعي”، ومؤكدا أنّه “لا ديمقراطية في ظل إعلام ضعيف ومنغلق، كما لا إعلام بدون حرية”.
إصلاح وتأهيل الإعلام العمومي.. مطلب رئيسي وجادّ
أمام ارتفاع حالة الاحتجاج اليومي في شوارع المدن المغربية المستمرة منذ أسبوع، يرى متابعون وإعلاميون مغاربة أن الإعلام العمومي بحاجة لإصلاح وتأهيل حتى يلعب دوره التاريخي والطبيعي في مختلف الأحداث داخل المغرب.
نرصد في هذا السياق، ما ذكره الإعلامي المغربي عبد الصمد بن شريف في تدوينة له على صفحته ب “الفيسبوك” حول ضرورة تأهيل الإعلام العمومي في المغرب، مُعتبرا أن هذا الأمر “شكّل مطلبا مركزيا منذ عقود، وارتفعت بهدف تحقيقه أصوات غاضبة في الشارع والمؤسسات وفي منصات التواصل الاجتماعي، حتى يتمكن من مواكبة كل التحولات الاجتماعية ومناقشة القضايا بعيدا عن الهاجس الأمني ورهاب الخطوط الحمراء”.

وينتقد بن شريف، ما أسماه ب ” اصطدام أصوات الإصلاح بالحواجز السميكة التي صنعها من يُفترض أنهم ممسكون بخيوط الإعلام العمومي”، مضيفا أنّ هؤلاء “تجمعهم مصالح مشتركة وإرادة لمقاومة أي تغيير قد يعصف بمكاسبهم، إضافة لاستراتيجية التعتيم التي استهدفت شعبا بأكمله”.
ضرورة الاقتناع بجدوى الإصلاح والتغيير
الإعلامي بن شريف الذي عرفه المغاربة لسنوات طويلة بالقناة الثانية بحواراته وبرامجه السياسية، يلمس في تدوينته “التحول التدريجي في كيفية تعاطي الإعلام العمومي مع احتجاجات “جيل زد” من خلال استضافة نشطاء من جيل Z مع مسؤولين في الحكومة وباحثين أكاديميين”، ويربط هذا التحول “بتغيّر مقاربة الدولة مع الاحتجاجات بعد أحداث عنف في أكثر من منطقة”، مؤكدا أنّ “شريحة عريضة من المغاربة استحسنت هذا التحول الذي بدا انفتاحا إعلاميا غير مسبوق لدى البعض”.
يتساءل الكاتب ذاته حول “مدى اقتناع مدبري شؤون البلاد بضرورة قراءة وتفكيك المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية التي يحبل بها الواقع ووضعها تحت المجهر”، وذلك “بغية استخلاص الدروس والنتائج والاقتداء بها عند اتخاذ أي تدبير من شأنه أن يُشعر المغاربة بكرامتهم ويُقنعهم بمصداقية ما يُتخذ من قرارات، مثل قرار مباشرة إصلاحات عميقة وجريئة في القطب الإعلامي العمومي”.
هذا ويعيش الشارع المغربي على مدار أسبوع كامل، موجة احتجاجات ضد الحكومة الحالية التي يقودها عزيز أخنوش، كما ارتفعت أصوات شبابية مطالبة الحكومة بتقديم استقالتها بسبب فشلها في تدبير السياسات العمومية، وعدم تنفيذها لوعودها الإصلاحية لعدد من القطاعات الاجتماعية أبرزها التعلّيم والصحة.
