د محمد سليمان فايد: تشهد عدة قرى في محافظات مصر، كارثة إنسانية وبيئية خطيرة تمثلت في غمر مياه فيضان النيل لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والمنازل. ووفقًا للتقارير المحلية، فقد أدى الفيضان إلى تدمير أكثر من 1000 فدان زراعي في محافظتي المنوفية والشرقية، كما غمرت المياه منازل عدد من القرى، ما دفع السكان إلى النزوح المؤقت واستخدام القوارب في التنقل بعد أن غطت المياه الطرقات والأراضي.

الحكومة المصرية بدورها أطلقت تحذيرات عاجلة. فقد أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحفي عقد يوم الخميس الماضي، أن منسوب النيل ما زال يشهد ارتفاعًا مقلقًا، ومن المتوقع أن يستمر هذا الوضع حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول. ودعا مدبولي إلى الإخلاء الفوري لمنازل وأراضي “طرح النهر”، محذرًا من خطورة التعديات العمرانية والزراعية في تلك المناطق التي يفترض أن تكون محمية مائية.
وفي السياق ذاته، أصدرت وزارة الموارد المائية والري المصرية بيانًا رسميًا أوضحت فيه أن الاضطرابات الأخيرة في منسوب مياه النيل مرتبطة بشكل مباشر بالتصرفات الأحادية لإثيوبيا في إدارة سد النهضة على النيل الأزرق. وأشارت الوزارة إلى أن إثيوبيا تعمدت تقليص التصريفات المائية في أوائل سبتمبر 2025 من نحو 280 مليون متر مكعب يوميًا إلى 110 ملايين متر مكعب فقط، ما أدى إلى تراكم كميات ضخمة من المياه. وفي 10 سبتمبر، عقب الاحتفال السياسي الذي نظمته أديس أبابا لافتتاح السد، أفرجت عن 485 مليون متر مكعب في يوم واحد، ثم رفعت الكمية فجأة إلى 780 مليون متر مكعب يوم 27 سبتمبر، قبل أن تعود إلى 380 مليون متر مكعب يوم 30 سبتمبر.
هذه التصرفات غير المنضبطة، بحسب البيان، أدت إلى ما وصفته الوزارة بـ”فيضان صناعي مفتعل”، وهو فيضان خارج التوقيت الطبيعي المعتاد (الذي يبلغ ذروته في أغسطس). وأشارت الوزارة إلى أن هذه الاضطرابات تسببت في خسائر مباشرة لمصر، تمثلت في غمر قرى ومناطق زراعية، إضافة إلى أضرار لحقت بقرى سودانية بسبب عدم قدرة سد الروصيرص على استيعاب الكميات المفاجئة.

وأكدت الوزارة أن إدارة سد بحجم 74 مليار متر مكعب بشكل أحادي دون اتفاق قانوني ملزم يشكل تهديدًا استراتيجيًا لأمن مصر والسودان، موضحة أن هذا السلوك يعكس استغلالًا سياسيًا للمياه على حساب الأرواح والاستقرار الإقليمي. كما لفت البيان إلى أن فيضان هذا العام أعلى من المتوسط بنسبة 25% عند منابع النهر، لكنه أقل من فيضان العام الماضي، الأمر الذي يكشف أن الأزمة ليست طبيعية بالكامل وإنما مرتبطة بسوء إدارة التخزين والتصريف من جانب إثيوبيا.
من ناحية أخرى، طالب خبراء مصريون بضرورة الإسراع في تنفيذ خطط الحماية للقرى الواقعة في نطاق الخطر، خاصة في المنوفية والبحيرة والشرقية، حيث أظهرت المشاهد الميدانية غرق منازل بالفعل، ولجوء الأهالي إلى أسطح المنازل أو قوارب بدائية. كما شددوا على ضرورة تطوير آليات الإنذار المبكر وتعزيز الرقابة على التعديات في أراضي “طرح النهر”، التي تزيد من حجم الكارثة عند ارتفاع المنسوب.
وتكشف هذه الأزمة عن هشاشة الوضع المائي في مصر، خصوصًا في ظل الضغوط المتزايدة على نهر النيل نتيجة السياسات الأحادية الإثيوبية. ويؤكد الخبراء أن استمرار إدارة السد دون تنسيق قانوني أو فني بين دول المصب سيؤدي إلى تكرار مثل هذه الكوارث، بل وربما تفاقمها في فترات الجفاف والفيضانات على السواء.
وفي ختام بيانها، شددت وزارة الري على أن القاهرة ستواصل تحركاتها الدبلوماسية والإقليمية والدولية من أجل التوصل إلى اتفاق ملزم يضمن الاستخدام العادل والآمن لمياه النيل، ويحمي شعوب المنطقة من مخاطر القرارات الأحادية غير المدروسة.
