نحن نناقش مع سوريا شيئا” لم يكن حتى في الخيال ..
هذا ما صرح به رئيس الوزراء الاسرائيلي حول الاتفاق الأمني المزعم عقده مع سوريا .. و أضاف أن سيطرة اسرائيل ستمتد لتشمل مرتفعات الجولان و خارج مرتفعات الجولان أيضا” و أقتبس “تحن نناقش ترتيبا” أمنيا” حيث يتم نزع سلاح جنوب غرب سوريا ”
منذ نشوء الكيان الإسرائيلي شكّل الجنوب السوري، بامتداداته في الجولان وحوران وصولاً إلى ريف دمشق، هدفًا ثابتًا في الاستراتيجية التوسعية الإسرائيلية. لم يكن الاحتلال عام 1967 صدفة عسكرية فحسب، بل جزءًا من رؤية طويلة المدى للسيطرة على المرتفعات الاستراتيجية الغنية بالمياه والمرتفعة عسكريًا على حساب العمق السوري. ومنذ ذلك الحين، ظلّت إسرائيل تسعى إلى تكريس هذا الواقع عبر مفاوضات متقطّعة، محاولات ترسيم حدود، وصفقات سلام مشروطة، اصطدمت جميعها برفض سوري للتنازل عن الأرض.
اليوم، وبعد سقوط النظام السوري القديم، تعود هذه الأطماع إلى الواجهة ولكن بوجه جديد؛ إذ تحاول إسرائيل استثمار هشاشة السلطة الناشئة في دمشق، واضطرارها للبحث عن شرعية ودعم خارجي، لانتزاع تنازلات أبعد من الجولان، تمتد إلى كامل الجنوب السوري، تحت عنوان “الأمن الدائم” وضمان الاستقرار على الحدود. وهكذا تتقاطع الأطماع التاريخية مع المفاوضات الجارية الآن، في محاولة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة على حساب السيادة السورية.
أما المستجد الأخطر اليوم هو الانتقال من خانة الرغبات المعلنة إلى اللقاءات العملية. فمع انهيار النظام السابق وصعود سلطة هشة تبحث عن الاعتراف الدولي، لم تتأخر القنوات الخلفية في فتح الطريق أمام أول اجتماع أمني غير معلن بين ممثلين عن النظام الجديد ومسؤولين إسرائيليين، برعاية أطراف دولية تلعب دور الوسيط وضامن الاستمرار.
أول اجتماع جرى بعيدًا عن الأضواء و لم يكن مجرد تبادل رسائل أو جسّ نبض، بل كان خطوة محسوبة لإرساء قواعد تفاوض مختلفة عمّا عرفته دمشق في العقود الماضية. هذه المرة، لم يطرح ملف الجولان بوصفه محور الصراع، بل جرى الحديث عن ترتيبات تخصّ كامل الجنوب السوري، من درعا إلى القنيطرة، وربما ما هو أبعد من ذلك.
اجتماع باكو هو الاّخر لم يكن مجرّد تمرين دبلوماسي، بل كان بمثابة اختبار عملي لمدى استعداد دمشق للانخراط في ترتيبات تضمن أمن الحدود. ومن بين الملفات التي طُرحت، برزت محافظة السويداء كعنوان حسّاس: منطقة محاذية للجولان، خارج السيطرة الكاملة منذ سنوات، وتتمتع بخصوصية طائفية واجتماعية تجعلها مصدر قلق إسرائيلي إذا تُركت ساحة مفتوحة لأي نفوذ خارجي أو مجموعات مسلّحة.
حصل النظام الجديد في هذا الاجتماع على ضوء أخضر للقيام بخطوة على الأرض: إعادة إخضاع السويداء بالقوة.
لكن المشهد لم يتوقف عند اجتياح السويداء. فبعد أن أطلق النظام عملياته العسكرية ضد أبناء المحافظة، تفاجأ بضربة إسرائيلية مركّزة استهدفت مواقعه، تحت ذريعة “منع المجازر وحماية المدنيين الدروز”. هنا انكشف الوجه الآخر للصفقة: إسرائيل منحت الضوء الأخضر لاختبار قدرة النظام على السيطرة، لكنها في الوقت ذاته أبقت لنفسها حق التدخل متى شاءت، لتؤكد أنها اللاعب الأقوى في معادلة الجنوب.
بهذا المعنى، وجد النظام نفسه محاصرًا من جهتين: من الداخل عبر مقاومة محلية رافضة لسلطته، ومن الخارج عبر قصف إسرائيلي يقدَّم للعالم كخطوة “إنسانية”، بينما هو في جوهره رسالة واضحة: أن شرعية بقاء النظام في دمشق ستظل مرهونة بموافقة تل أبيب ومصالحها الأمنية.
من جهة أخرى الهجوم الإسرائيلي كان مناورة سياسية – نفسية بامتياز. تل أبيب أرادت أن تُظهر لأهالي السويداء أنها الطرف الوحيد القادر على حمايتهم من بطش دمشق، لتزرع في وعيهم أنها “الحليف الضامن” في لحظة غياب الدولة وتخلي العالم عنهم.
وهنا تتحقق المعادلة الأخطر: النظام يظهر ضعيفًا ومعاديًا لمجتمعه، وإسرائيل تظهر قوية و”حامية للأقليات”، ما يفتح الطريق أمامها لترسيخ نفوذها السياسي والأمني، وربما العسكري، داخل العمق السوري نفسه.
لم يطل الوقت قبل أن تنتقل المفاوضات من الغرف المغلقة إلى تفاهمات أوسع برعاية إقليمية ودولية. فقد دخلت الولايات المتحدة والأردن على الخط لرسم معالم اتفاق جديد حول الجنوب السوري، يوازن بين المصالح الإسرائيلية وحاجة النظام الجديد إلى البقاء.
الاتفاق، الذي صيغ في الكواليس عُرض على دمشق كخيار وحيد للبقاء و نص على ما يلي :
الوضع الأمني والعسكري:
· تحويل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء إلى منطقة منزوعة السلاح الثقيل.
· انتشار قوات أمن محلية بإشراف النظام شكليًا، لكن بآليات مراقبة دولية غير معلنة.
· التزام النظام بعدم السماح بوجود أي ميليشيات أو مجموعات مسلحة مرتبطة بإيران أو حزب الله في الجنوب.
الدور الإسرائيلي:
· ضمان أمن الحدود بشكل مباشر من خلال تنسيق أمني عالي المستوى مع واشنطن وعمّان.
· حصول إسرائيل على اعتراف غير مباشر بحقها في الجولان عبر إدراج الأمن الإسرائيلي كأولوية في الاتفاق.
· حرية التدخل الجوي الإسرائيلي في حال رُصد “تهديد استثنائي” في الجنوب، مع غطاء دولي لهذه العمليات.
الدور الأردني:
· مراقبة الحدود وضبط خطوط التهريب بين الجنوب والأردن (مخدرات – أسلحة – لاجئين).
· إنشاء غرفة عمليات مشتركة في عمّان تضم ضباطًا من الأردن والولايات المتحدة، مع قناة مفتوحة إلى الإسرائيليين.
· وعود بمساعدات اقتصادية للجنوب بإشراف أردني مباشر لخلق نفوذ ميداني داخل السويداء ودرعا.
الدور الأميركي:
· ضمان بقاء النظام الجديد عبر توفير غطاء دبلوماسي له، مقابل التزامه الكامل بالاتفاق.
· قيادة المفاوضات السرّية والتنسيق مع موسكو (التي تم تهميشها تدريجيًا).
· ربط أي مساعدات اقتصادية أو إنسانية لسوريا بتنفيذ بنود الاتفاق في الجنوب.
الوضع المحلي:
· السماح بوجود إدارة محلية شكلية في بعض مناطق السويداء ودرعا، لكن بلا قوة عسكرية حقيقية.
· تقديم الاتفاق على أنه “حماية للأقليات” و”ضمانة للاستقرار”، لتسويق الأمر بين الأهالي.
· بقاء الجنوب عمليًا تحت رقابة ثلاثية (أميركية – أردنية – إسرائيلية)، فيما النظام يظهر فقط كواجهة.
أما عن زيارة أحمد الشرع الأخيرة إلى نيويورك و التي ظهرت كمشاركة عادية في اجتماعات هيئة الأممم المتحدة إنما كانت منصة لإعادة تأكيد التزام سوريا بالاتفاقات الأمنية في الجنوب، حيث لم تسبق الزيارة رفع اسم الشرع من لوائح الارهاب الأميركية و الأوروبية و لا حتى من لوائح الإرهاب الخاصة بالأمم المتحدة نفسها .. و هذا ما يؤكد أن الزيارة لم تكن بصفة رسمية ديبلوماسية و إنما زيارة خضوع و إثبات ولاء مطلق عى حساب الأرض .
بقى السؤال الأكبر: هل تملك السلطة السورية الحالية، غير المنتخبة، أي صلاحية للقيام باتفاقيات مصيرية تخص مستقبل الوطن وحقوق أبنائه؟ فهذه السلطة، التي تسعى فقط للبقاء في الحكم بأي ثمن، لا تمثل إرادة الشعب، ولا تستطيع أن تتخذ قرارات تفرط بالسيادة السورية دون مساءلة حقيقية.
إن الاتفاقات التي تُبرم تحت الطاولة، والتي تتضمن تنازلات غير محدودة عن الجنوب السوري أو أي منطقة أخرى، ليست مجرد ملفات سياسية؛ إنها اختبار لمصداقية النظام وقدرته على تمثيل الشعب وعلى المواطنين السوريين أن يكونوا واعين، وأن يسائلوا هذه السلطة عن كل خطوة تقررها باسمهم، لأن البقاء في الحكم لا يعطي الحق بالمساس بأرض الوطن أو بتطلعات أجياله.
