الهجوم الملفت الذى شنته صحيفة “فايننشيال تايمز” البريطانية على الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى الأسبوع الماضى كرد فعل لحدثين مهمين اعتبرتهما الصحيفة “نيلًا من المكانة الأمريكية” أولهما: هجوم إسرائيل على قطر، والثانى تجرؤ روسيا على إطلاق عدد من “المسيرات” إلى سماء بولندا، العضو فى حلف شمال الأطلسى (الناتو) أثار تساؤلًا مهمًا هو: أى مستقبل ينتظر التحالف الغربى عمومًا والزعامة الأمريكية على وجه الخصوص؟ بتفصيل أكثر: هل الانتقادات التى وجهتها الصحيفة للرئيس الأمريكى يمكن أن تكون بمثابة قراءة مستقبلية لتدنى مكانة الولايات المتحدة لدى حلفائها الأوروبيين إذا أخذنا فى الاعتبار أن بريطانيا هى أهم هؤلاء الحلفاء، مقارنة بحالة التماسك الذى يزداد يومًا بعد يوم بالنسبة لـ “منظمة شنغهاى للتعاون” وشقيقتها، إذا جازت التسمية، “مجموعة بريكس”، بين الأقطاب الكبار الثلاث: الصين وروسيا والهند، ودخول إيران كطرف فاعل فى شراكات قوية مع كل من الصين وروسيا، وفى علاقات مميزة مع الهند.
فقد اعتبرت الصحيفة أن تصرف كلًا من بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية بالهجوم على قطر، وفلاديمير بوتين، بإطلاق مسيرات فى سماء بولندا مرجعه أن كلًا منهما “فعل ما فعل وهو على يقين أنه لن يتعرض للعقاب”.
الرئيس الأمريكى الذى كان قد رد على مخرجات قمة “منظمة شنغهاى للتعاون” (1-2 سبتمبر الجارى) والاستعراض العسكرى الصينى الضخم، فى اليوم التالى، بمناسبة الاحتفال بالعيد الثمانين لانتصارات الصين على اليابان بإجراءين، أولهما: اتهام الصين وروسيا وكوريا الشمالية بالتآمر على الولايات المتحدة، وثانيهما: تغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب، لكن يبدو أن هذين الإجراءين لم يحدثا الأثر الذى كان ترامب يأمله، لذلك اتجه إلى الإعلان عن مناورة عسكرية مشتركة مع كل من اليابان وكوريا الجنوبية (من الاثنين 15/9 إلى الجمعة 19/9/2025) تشمل تدريبات عسكرية بحرية وجوية قبالة جزيرة “جيجو” الكورية الجنوبية، وذلك بهدف الاستعداد بشكل أفضل لمواجهة أى تهديد من قبل كوريا الشمالية.
هل يمكن اعتبار أن هذه المناورة نوعًا من الرد على مشاركة الرئيس الكورى الشمالى “كيم جونج أون” فى الاستعراض العسكرى الصينى على يسار الرئيس الصينى “شى جين بينج”، وهل يمكن أن يستعيد ترامب ثقة الحليفين الآسيويين الكبيرين، اليابان وكوريا الجنوبية بالولايات المتحدة؟ وأن تفرض نوعًا من “الردع” للسياسة الكورية الشمالية فى تحالفها المتزايد مع كل من روسيا والصين؟
رد الفعل الكورى الشمالى على هذه المناورة جاء سريعًا، ولكن ليس على لسان الرئيس الكورى الشمالى، الذى ربما قد تعمد الاستهانة بالقرار الأمريكى الذى أوصى بهذه المناورة، لكن الرد جاء على لسان شقيقتة “كيم جونج أون”، التى وصفت المناورة الأمريكية – اليابانية – الكورية الجنوبية، بأنها “استعراض متهور للقوة من شأنه أن يؤدى إلى “نتائج سيئة”.
يبدو أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لم يجد لديه ما يفعله للرد على التطورات المتسارعة التى تحدث على جبهة “منظمة شنغهاى للتعاون”، والتى كشفت عن حقيقتين أضحى العالم واعيًا بهما، الحقيقة الأولى تقول أن نظام الأحادية القطبية العالمية يتهاوى أمام صعود قطب عالمى جديد يضم أكثر من نصف سكان العالم واقتصاداته، بزعامة الصين وروسيا والهند ومجموعة ما يسمى حاليًا بـ “الجنوب العالمى”، التى تضم القوى الإقليمية العالمية الكبرى مثل: البرازيل وجنوب إفريقيا وإيران وتركيا. والحقيقة الثانية تقول أن هذا القطب العالمى سوف تكون له الغلبة فى المستقبل، مقارنة بحال القطب الآخر الذى تتزعمه الولايات المتحدة الذى يزداد تفككًا وتداعيًا وانفراطًا.
مؤشرات ذلك كثيرة أبرزها ثلاثة مؤشرات:
– أول هذه المؤشرات التوجه الصينى – الروسى المكثف نحو تعزيز الشراكة الموسعة الإستراتيجية والاقتصادية، وتوقيع عدد كبير من الاتفاقيات على هامش حضور الرئيس الروسى فلاديمير بوتين لقمة “منظمة شنغهاى للتعاون”، بما فى ذلك الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا، مما يساعد كلا البلدين على تقليل تعرضهما للعقوبات المالية والتكنولوجية الغربية، حيث تعمل هذه الشراكة على إنشاء أنظمة بديلة للتجارة والبنوك، تتحدى الهياكل التى تقودها الولايات المتحدة والنظام المالى القائم على الدولار.
– وثانى هذه المؤشرات، اصطفاف الهند إلى جانب الصين وروسيا على حساب شراكتها الإستراتيجية مع الصين وعضويتها فى التحالف الأمنى الرباعى (كواد QUAD)، الذى يضم: الولايات المتحدة واليابان واستراليا والهند، كرد فعل هندى لتدهور العلاقة الهندية مع الولايات المتحدة، لأسباب كثيرة منها العقوبات الجمركية الأمريكية على الهند التى بلغت 50%، بسبب شراء الهند للنفط الروسى، وغضب رئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى من ادعاء ترامب أنه السبب وراء انتهاء التوترات والحرب الهندية – الباكستانية، وتفاخر ترامب بأن باكستان سترشحه لجائزة “نوبل للسلام”.
– ثالث هذه المؤشرات دعم “منظمة شنغهاى” للتعاون مع إيران فى صراعها مع الولايات المتحدة ودول “الترويكا الأوروبية” (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، ورفض مسعى هذه الترويكا لتفعيل آلية “سناب باك” ضد إيران وتجديد فرض العقوبات الدولية عليها.
هذه المؤشرات تحمل دلالات مهمة على ورطة ترامب مع “منظمة شنغهاى للتعاون”، وهى ورطة فرضت عليه العجز عن مواجهة تلك الاندفاعة الصينية – الروسية – الهندية.
مقال المصدر “الخليج”
د. محمد السعيد إدريس: مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية،أستاذ العلوم السياسية، حاصل على دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية، متخصص في دراسات النظم الإقليمية والعلاقات الدولية الإقليمية المقارنة، برلماني مصري وعربي سابق، عضو المكتب التنفيذي للمؤتمر القومي العربي، والأمين العام السابق لملتقى الشباب القومي العربي، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية، ورئيس تحرير مجلة مختارات إيرانية السابق.
