د.محمد سليمان فايد: لم تعد إفريقيا مجرد قارة تُعرف بالموارد الطبيعية أو السياحة التقليدية، بل باتت خلال العقد الأخير أحد أهم محاور السباق التكنولوجي العالمي، بفضل امتلاكها لعنصر استراتيجي بالغ الأهمية: السيليكون. هذه المادة، المستخرجة من الكوارتز، تمثل العمود الفقري لصناعة الرقائق الإلكترونية والخلايا الشمسية والبطاريات، ما يجعلها حجر الأساس للاقتصاد الرقمي العالمي.
إنتاج السيليكون في القارة
تتصدر جنوب إفريقيا المشهد بقدرة إنتاجية بلغت نحو 380 ألف طن عام 2024، مع صادرات تجاوزت قيمتها 750 مليون دولار، تتجه في معظمها نحو الصين والاتحاد الأوروبي لاستخدامها في صناعة الألواح الشمسية والدوائر الإلكترونية.
وفي مصر، يشكل مجمع الكوارتز في مرسى علم ركيزة لمشروع وطني يهدف إلى وقف تصدير الخامات الخام والتحول إلى تصنيع الرقائق والخلايا الكهروضوئية. ويقدَّر إنتاج مصر حالياً بنحو 60 ألف طن سنوياً بعائد يتجاوز 120 مليون دولار، مع خطط للتوسع إلى 100 ألف طن بحلول 2027.
أما الجزائر، فتنتج قرابة 40 ألف طن سنوياً، يوجَّه قسم منه إلى الصناعات المحلية المرتبطة بالألواح الشمسية، فيما يذهب الباقي للتصدير. وقد عقدت الجزائر شراكات مع شركات ألمانية وصينية لإنشاء مصانع تحويل، بما يتيح مضاعفة العائدات لتصل إلى 400 مليون دولار بحلول 2030 وتقليل الاعتماد على بيع الخام.

في المغرب، يقدَّر الإنتاج بنحو 25 ألف طن سنوياً، تُصدَّر غالبيته إلى فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وتسعى الرباط إلى تطوير صناعة السبائك السيليكونية عبر استثمارات أوروبية، ما قد يرفع قيمة الصادرات من 50 مليون دولار حالياً إلى أكثر من 200 مليون دولار خلال خمس سنوات.
أما في جنوب شرق القارة، فتملك موزمبيق احتياطيات واعدة من الكوارتز عالي النقاء في إقليم تتي. ورغم أن إنتاجها الحالي لا يتجاوز 12 ألف طن سنوياً، فإن الحكومة تخطط بالتعاون مع شركاء آسيويين – خصوصاً من الصين والهند – لزيادة الإنتاج إلى 30 ألف طن بحلول 2030.
وفي ناميبيا، ورغم أن الإنتاج يتراوح بين 10 و15 ألف طن سنوياً، فإن موقعها الجغرافي على الأطلسي يمنحها أفضلية لوجستية نحو أوروبا. وتعمل الحكومة على استقطاب استثمارات لتكرير الكوارتز وتحويله إلى سيليكون نقي، بما قد يرفع العائدات من أقل من 40 مليون دولار حالياً إلى نحو 150 مليون دولار خلال العقد المقبل.
إجمالاً، تُنتج إفريقيا أكثر من 520 ألف طن من السيليكون سنوياً، وفق بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (2024)، بقيمة سوقية تقارب 1.2 مليار دولار.
جدوى التصنيع المحلي
ورغم هذه الأرقام، لا يزال معظم السيليكون الإفريقي يُصدَّر خاماً، ما يحرم القارة من عوائد هائلة. فبينما يباع الطن الخام في السوق العالمية بنحو 2000 دولار، فإن الطن عالي النقاء المستخدم في صناعة الرقائق والخلايا الشمسية يتراوح سعره بين 10 و12 ألف دولار.
هذا الفارق يكشف أن الاستثمار في التصنيع المحلي يمكن أن يرفع العائدات من 1.2 مليار دولار حالياً إلى أكثر من 6 مليارات دولار سنوياً، إلى جانب خلق فرص عمل وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصادات الإفريقية.

تجارب إفريقية واعدة
بدأت بعض الدول بالفعل السير في هذا الاتجاه. فقد دشنت مصر إنتاج الخلايا الشمسية محلياً اعتماداً على السيليكون المستخرج من الكوارتز، بينما أطلقت الجزائر مشاريع مشتركة مع شركاء أوروبيين وصينيين لتطوير صناعات تحويلية. أما جنوب إفريقيا، فقد وضعت خطة لزيادة عائداتها إلى 2 مليار دولار بحلول 2030 عبر توطين صناعة السبائك السيليكونية.
منافسة دولية محتدمة
الموقع الاستراتيجي لإفريقيا جعلها محور تنافس بين القوى الكبرى. فقد استوردت الصين سيليكون من القارة بقيمة 600 مليون دولار عام 2023 لتغذية صناعاتها في الطاقة الشمسية، بينما رفع الاتحاد الأوروبي وارداته بنسبة 22% عام 2024، مع اعتماد خاص على المغرب والجزائر. وفي المقابل، عززت الولايات المتحدة تعاونها مع مصر وجنوب إفريقيا عبر اتفاقيات تهدف إلى تأمين احتياجاتها من أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية.
إفريقيا كـ”وادي سيليكون عالمي”
تظهر المعطيات أن القارة أمام فرصة تاريخية للتحول من مجرد مصدّر للمواد الخام إلى لاعب محوري في الاقتصاد الرقمي العالمي. فالرهان على التصنيع المحلي لا يعني فقط مضاعفة العائدات المالية، بل يفتح الباب أيضاً أمام خلق مئات الآلاف من فرص العمل، وتعزيز مكانة إفريقيا كسلسلة توريد استراتيجية في الصناعات التكنولوجية.
إن مشروع “وادي السيليكون الإفريقي” لم يعد حلماً بعيد المنال، بل واقعاً يتشكل تدريجياً. ومع تضافر الاستثمارات الحكومية والخاصة وتوسيع الشراكات الدولية على أساس المنافع المتبادلة، يمكن للقارة أن تتحول إلى أحد أعمدة الاقتصاد الرقمي العالمي خلال العقد المقبل.
