ان الفساد الأخلاقي والاجتماعي الذي تغرق به فنزويلا يشكل عامل جذب للقوة العسكرية الامريكية تجاه الحدود الفنزويلية سيما مسالة انتاج وتهريب المخدرات وعصاباتها، ولكن الانقضاض السياسي والعسكري على موارد البلاد تعد من أولويات الامن القومي الأميركي، فيوم ٢٨ اب -٢٠٢٥ نشرت الولايات المتحدة ثماني سفن حربية، من بينها مدمرات وصواريخ موجهة وسفينة إنزال وغواصة نووية، بالقرب من السواحل الفنزويلية، تحت ذريعة مواجهة شبكات المخدرات، بالرغم من التصريحات الرسمية بأن الهدف هو مكافحة تهريب المخدرات، ترى تحليلات أن استعراض القوة بهذا الحجم قد يُخفي أهدافًا أوسع، منها احتمال سجن نيكولاس مادورو، حيث تُعدّ فنزويلا أحد الملفات البارزة في سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ لم يتعامل معها كقضية تخص دولة بعيدة في أميركا الجنوبية، بل كعقدة جيوسياسية واقتصادية تمسّ مباشرة الأمن القومي الأميركي. فما الذي يريده ترامب من فنزويلا؟ وما موقع مواردها الطاقوية في هذا الصراع؟
حسابات ترامب تجاه فنزويلا متعددة، تبدأ بالنفط والموارد الطبيعية التي تحتضنها فنزويلا كأكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، لكن العقوبات الأميركية وانهيار البنية التحتية عطّلا استثمار هذه الثروة، فمن وجهة نظر ترامب إن السيطرة أو التأثير على النفط الفنزويلي يُعزّز أمن الطاقة الأميركي ويضعف النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، الذي بدوره يقوم بمواجهته، حيث تحوّلت فنزويلا إلى حليف استراتيجي لموسكو وبكين وطهران.
وقد اعتبر ترامب أن بقاء هذا النفوذ يشكّل تهديداً مباشراً لواشنطن في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، لذلك اندرج الضغط على نظام نيكولاس مادورو ضمن استراتيجية حصار جيوسياسي تستهدف خصوم أميركا.
اما في العامل الداخلي الاميركي فان الضغط السياسي الداخلي الذي استوعبه ترامب و توجه له في خطابه الانتخابي بوقوفه مع الشعب الفنزويلي والكوبي ضد الاشتراكية ، و حرص على مخاطبة الجاليات الفنزويلية والكوبية الكبيرة في ولاية فلوريدا ، واتخذ موقفاً متشدداً من مادورو ومن النظام الكوبي بهدف استقطاب أصوات الناخبين من أصول لاتينية المعادين للأنظمة اليسارية.
اعترفت إدارة ترامب عام 2019 بخوان غوايدو رئيساً شرعياً مؤقتا لفنزويلا، في محاولة واضحة لإسقاط حكم مادورو وإقامة سلطة موالية للغرب. إلا أنّ هذه الخطة تعثّرت بفعل تماسك الجيش الفنزويلي والدعم الروسي–الصيني لمادورو.
والان يريد ترامب من فنزويلا أن تكون مثالاً رادعاً للحكومات اليسارية الأخرى في أميركا اللاتينية مثل كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا، وكان نجاحه في إضعاف مادورو سيُوجّه رسالة قوية إلى حلفائه في المنطقة.
عملياً يسعى ترامب إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية في فنزويلا، وهي السيطرة على موارد الطاقة ومنع خصومه من الاستفادة منها و تقويض النفوذ الروسي والصيني والإيراني في نصف الكرة الغربي و تحقيق مكاسب انتخابية داخلية عبر خطاب مناهض للاشتراكية اللاتينية.
بالنسبة للموارد الطاقوية في فنزويلا التي تُعتبر من أغنى دول العالم بالموارد الطاقوية، غير أن الفساد وسوء الإدارة إلى جانب العقوبات الأميركية جعلت هذه الثروة غير مستثمرة على النحو المطلوب، فالنفط هو العامود الفقري للاقتصاد حيث تمتلك فنزويلا أكثر من 300 مليار برميل من الاحتياطي النفطي المثبت، وهو الأكبر عالمياً، ويتركّز الجزء الأكبر من هذا النفط في حزام أورينوكو جنوب شرق البلاد، وهو نفط ثقيل جداً يتطلب تقنيات خاصة لاستخراجه وتكريره.
حتى مطلع الألفية، كانت فنزويلا من أكبر مصدّري النفط إلى الولايات المتحدة، لكن إنتاجها انهار من نحو 3.5 مليون برميل يومياً عام 1998 إلى أقل من 800 ألف برميل يومياً اليوم.
كذلك تمتلك فنزويلا احتياطاً ضخماً من الغاز الطبيعي غير المستغل، تحتل مرتبة متقدمة عالمياً باحتياطي يُقدّر بحوالي 5.7 تريليون متر مكعب، و معظم الغاز مرتبط بحقول النفط، غير أن مشاريع التسييل والتصدير بقيت متعثرة بسبب نقص الاستثمارات والعقوبات.
بالنسبة للكهرباء فهي تعتمد على الطاقة الكهرومائية، فيعتمد قطاع الكهرباء الفنزويلي بنسبة 60–70% على الطاقة المائية، ولا سيما من سد “غوري” الذي يُعد من أكبر السدود في العالم، فرغم وفرة الموارد، فإن ضعف البنية التحتية ونقص الصيانة تسببا في انقطاعات كهربائية متكررة على مستوى البلاد.
ايضاً تمتلك فنزويلا موارد إضافية مرتبطة بالطاقة مثل اليورانيوم حيث توجد مؤشرات على احتياطات منه، لكن لم تُطوَّر مشاريع نووية كبرى وكذلك الذهب والمعادن النادرة فلا تُعد موارد طاقوية مباشرة، لكنها تمثل ثقلاً استراتيجياً يضاف إلى ثروة فنزويلا من الموارد الطبيعية.
فنزويلا، بما تملكه من نفط وغاز وطاقة مائية ومعادن استراتيجية، تُعتبر خزاناً هائلاً للطاقة العالمية، غير أنّ هذه الثروة بقيت رهينة الأزمات السياسية والعقوبات الأميركية وانهيار شركة النفط الوطنية PDVSA.
ومن هنا يمكن فهم إصرار ترامب على جعل فنزويلا ساحة نفوذ أميركية، فهي ليست مجرد دولة لاتينية، بل عقدة استراتيجية تجمع بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي والطاقة.
اليوم بدأ التحرك العسكري تجاه فنزويلا و الرد الفنزويلي جاء سريعاً حيث اعلن الرئيس نيكولاس ماديرو التعبئة وارسل ١٥ الف جندي الى حدود كولومبيا وتسيير السفن الحربية ونشر طائرات بدون طيار.
الجميع يعلم ما اذا اندلعت المعارك بين الطرفين سوف تشعل المنطقة اللاتينية برمتها سيما كولومبيا والبرازيل، اما روسيا قد تزيد دعمها لمادورو والصين تلجأ لردود اقتصادية و إيران قد تستغل الأزمة لإرسال رسائل لواشنطن، خاصة عبر التعاون العسكري أو النفطي مع كراكاس.
على الرغم من الاستنفار المفاجئ الا ان السيناريو الأكثر واقعية اليوم هو استعراض القوة والضغط العسكري دون حرب مباشرة،
لكن أي خطأ في الحسابات – كحادث بحري أو اشتباك حدودي – قد يشعل مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
