د. محمد سليمان: شهدت العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية بين اليابان والقارة الإفريقية تطوراً ملحوظاً خلال العقدين الأخيرين، حيث باتت طوكيو تنظر إلى إفريقيا ليس فقط كسوق واعدة، بل كمنصة استراتيجية للتنمية والتعاون المشترك. فقد عززت اليابان حضورها عبر منح تعليمية وبعثات علمية، إلى جانب توسع حجم التبادل التجاري والاستثمارات في البنية التحتية والطاقة.
على الصعيد التعليمي، قدمت اليابان خلال السنوات الأخيرة منحاً لعدد من الدول الإفريقية، أبرزها برنامج “أبيك” (ABE Initiative) الذي أتاح مئات المنح الدراسية لطلاب من القارة لمتابعة دراساتهم العليا في الجامعات اليابانية، مع تدريب عملي في شركات كبرى. وتشير بيانات الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA) إلى أن أكثر من 6 آلاف طالب وباحث إفريقي استفادوا من المنح اليابانية منذ 2013 وحتى 2024، ما يعكس توجهاً استراتيجياً لبناء رأسمال بشري مؤهل قادر على دفع مسارات التنمية.
أما على المستوى التجاري، فقد بلغ حجم التبادل بين اليابان وإفريقيا نحو 24 مليار دولار عام 2022، وفق بيانات مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الإفريقية (TICAD). وارتفع هذا الرقم تدريجياً ليصل إلى 28.5 مليار دولار في عام 2025، بحسب إحصاءات وزارة الاقتصاد اليابانية، وهو ما يعكس نمواً ملموساً لكنه ما زال محدوداً إذا ما قورن بالصين أو الولايات المتحدة.
وتتركز الصادرات اليابانية إلى إفريقيا في السيارات والمعدات الثقيلة والإلكترونيات، حيث تُعد جنوب إفريقيا، كينيا، مصر، ونيجيريا من أبرز المستوردين للسيارات والآلات اليابانية. في المقابل، تعتمد اليابان على الواردات الإفريقية من المعادن النادرة والموارد الطبيعية مثل البلاتين والكروم من جنوب إفريقيا، إضافة إلى النفط والغاز من نيجيريا وأنغولا. كما برزت دول مثل المغرب وإثيوبيا في السنوات الأخيرة كشركاء متنامين في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الزراعية.
وبالتوازي مع التجارة، سجلت الاستثمارات اليابانية المباشرة (FDI) في القارة الإفريقية نمواً متصاعداً، حيث تجاوزت 15 مليار دولار بحلول 2025، تركزت في قطاعات الطاقة، البنية التحتية، والصناعات التحويلية. وتُعد جنوب إفريقيا ومصر وكينيا من الوجهات الرئيسية لهذه الاستثمارات، بينما بدأت دول مثل تنزانيا وإثيوبيا في جذب شركات يابانية ناشطة في مجال التكنولوجيا النظيفة والطاقة الخضراء.
ورغم هذا النشاط، يبقى حجم التجارة اليابانية مع إفريقيا متواضعاً مقارنة بالصين التي تتجاوز تبادلاتها التجارية مع القارة 280 مليار دولار سنوياً، والولايات المتحدة التي بلغت تجارتها مع إفريقيا نحو 75 مليار دولار. وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة اليابان على التحول إلى شريك أساسي منافس داخل القارة.
في هذا السياق، يراهن الخبراء على أن الميزة النسبية لليابان تكمن في نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات، وليس فقط في التجارة. إذ يشير تقرير البنك الإفريقي للتنمية (2024) إلى أن اليابان تستثمر بشكل متزايد في الطاقة المتجددة، المدن الذكية، والمجالات الرقمية، وهي قطاعات تحتاجها الدول الإفريقية لتسريع التحول الاقتصادي. كما أن حضور الشركات اليابانية في مجالات البنية التحتية والاتصالات يتنامى، مع مشاريع ضخمة في موانئ كينيا وتنزانيا.
ورغم المنافسة القوية من الصين والولايات المتحدة، فإن اليابان تملك فرصة لبناء شراكة مختلفة، تقوم على المعرفة والتكنولوجيا وتبادل الخبرات، وهو ما يجعلها قادرة على تثبيت “قدم ثالثة” بجانب العملاقين الآسيوي والأمريكي داخل القارة الإفريقية. فبينما يركز الصينيون على القروض والمشاريع الضخمة، والأمريكيون على النفوذ السياسي والأمني، تسعى طوكيو إلى تقديم نموذج يعتمد على التنمية البشرية والابتكار التكنولوجي، وهو مسار قد يمنحها حضوراً استراتيجياً طويل الأمد.
