تتصدر موريتانيا منذ سنوات خط المواجهة مع شبكات تهريب المخدرات التي تتخذ من الساحل والصحراء الكبرى ممرًا استراتيجيًا لشحنات قادمة من أميركا اللاتينية ومتجهة نحو أوروبا. ويجعل الموقع الجغرافي للبلاد، بحدودها الممتدة مع مالي والجزائر والسنغال وساحل أطلسي طويل، منها محطة حساسة في هذه التجارة غير المشروعة، وهو ما دفع الأجهزة الأمنية إلى رفع درجة التأهب وتشديد الرقابة بشكل غير مسبوق.
العملية الأخيرة التي أعلنت عنها الشرطة الوطنية في 20 أغسطس 2025 تمثل نموذجًا لهذا الجهد الأمني المتواصل. فقد تمكنت من تفكيك شبكة تنشط في استيراد وبيع “حشيش القنب”، حيث بدأت المتابعة الأمنية بتوقيف مشتبه به بحوزته كمية معدة للبيع بالتجزئة، قبل أن تتوسع التحقيقات لتشمل توقيف شخصين آخرين وضبط كميات إضافية. وتوجت العملية باعتقال زعيم الشبكة، الذي تبين أنه مدان سابقًا بالقتل العمد وصدر بحقه حكم بالإعدام، قضى أكثر من 17 عامًا في السجن، ليعود بعد الإفراج عنه سنة 2021 إلى نشاط مرتبط بالاتجار بالمخدرات. وأسفر تفتيش منزله عن ضبط كمية أخرى من الحشيش وحجز سيارتين كانتا تستخدمان في التوزيع.

هذه العملية ليست سوى حلقة من سلسلة طويلة من المواجهات. ففي عام 2007، تمكنت السلطات من مصادرة نحو 630 كيلوغرامًا من الكوكايين، وهي واحدة من أكبر الضبطيات في تاريخ البلاد. وفي يناير 2021، أعلنت البحرية الموريتانية عن إحباط محاولة تهريب 1.5 طن من الكوكايين على متن سفينة صيد قرب ميناء نواذيبو، في عملية شارك فيها خفر السواحل بدعم من أجهزة الاستخبارات. كما شهد عام 2022 ضبط أكثر من طن من الحشيش المغربي في صحراء تيرس زمور، بعد مطاردة قافلة كانت تحاول عبور الحدود نحو مالي. وفي يونيو 2023، تمكنت الشرطة الوطنية من تفكيك شبكة إقليمية تنشط بين نواكشوط ونواذيبو، وضبطت بحوزتها كميات من الحشيش والكوكايين، إضافة إلى اعتقال 12 شخصًا بينهم أجانب.
الشرطة الوطنية تركز على ملاحقة الشبكات الحضرية وتفكيك دوائر التوزيع، بينما يشرف الدرك الوطني على مراقبة الطرق الصحراوية وتأمين المحاور الاستراتيجية، وتتولى الجمارك تفتيش الشحنات والمعابر البرية، في حين يضطلع خفر السواحل بمراقبة الساحل الأطلسي واعتراض القوارب المشبوهة. وتُعزز هذه الجهود عبر تنسيق حدودي متزايد مع دول الجوار مثل مالي والسنغال والجزائر، للحد من قدرة المهربين على تغيير مساراتهم.
ورغم التحديات المتمثلة في الامتداد الجغرافي للبلاد وصعوبة السيطرة على الحدود الصحراوية، فإن المؤشرات حتى عام 2025 تؤكد أن القبضة الأمنية الموريتانية آخذة في التشديد. فقد أحبطت البلاد في غضون أربع سنوات فقط (2021–2025) عدة عمليات كبرى تجاوزت مجتمعة أربعة أطنان من الكوكايين والحشيش، إلى جانب عشرات المداهمات التي استهدفت شبكات محلية.
ويجمع المراقبون على أن استمرار هذا النهج سيحد من جعل موريتانيا مجرد “ممر عابر” لشحنات الموت البيضاء، ويعزز مكانتها كخط دفاع رئيسي في معركة إقليمية ضد المخدرات.
