د. محمد سليمان: منذ قرون وإفريقيا تُنهب مواردها الطبيعية من ذهب وبترول وغاز ومعادن نادرة، مرورًا بفترة تجارة الرقيق والاحتلال المباشر، وصولًا إلى أشكال جديدة من الاستغلال الاقتصادي. لكن المفارقة الكبرى تكمن اليوم في أنّ الدول الغربية، التي بنت ثرواتها على حساب القارة، تتقاعس عن أبسط واجباتها الإنسانية في دعم الصحة العامة ومكافحة الأوبئة الفتاكة التي تحصد أرواح الملايين في إفريقيا.
قبل أيام قليلة إفادات تقارير رسمية صومالية بان حالات الدفتيريا والوفيات ارتفعت بشكل حاد هذا العام، مسجِّلةً أكثر من 1600 حالة و87 وفاة، مقارنةً بـ 838 حالة و56 وفاة في عام 2024 بأكمله. ورغم التحسّن التدريجي في تغطية تطعيمات الأطفال خلال العقد الماضي، ما يزال مئات الآلاف من الأطفال غير مُلقّحين بالكامل—ثغرةٌ قاتلة عند حدوث نقص عالمي في اللقاحات.
وزير الصحة علي حاجي آدم لفت إلى صعوبات في توفير الجرعات بسبب النقص العالمي، وإلى أثر خفض المساعدات الأمريكية في تعقيد توزيع المتوافر منها. وبالفعل، تراجعت إجمالي التزامات المساعدات الخارجية الأمريكية للصومال إلى 149 مليون دولار في السنة المالية التي تنتهي في 30 سبتمبر، نزولًا من 765 مليون دولار في السنة السابقة. النتيجة المباشرة—بحسب التصريحات: إغلاق عشرات/مئات المراكز الصحية، وتوقّف فرق التطعيم المتنقلة التي تغطي المناطق النائية.
من جهتها، قالت منظمة “أنقذوا الأطفال” إن تقليص التمويل ساهم في مضاعفة حالات الدفتيريا والحصبة والسعال الديكي والكوليرا والتهابات الجهاز التنفسي الحادة منذ منتصف أبريل.
وعلى المنوال نفسه، خفضت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرُها من المانحين الغربيين خطوط تمويل صحية أساسية.
داخليًا، تواجه الحكومة الصومالية انتقاداتٍ لضعف الإنفاق العام الصحي؛ إذ خُصِّص 4.8% من الموازنة للصحة في 2024 نزولًا من 8.5% في 2023.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2025 إلى أنّ القارة الإفريقية ما زالت تتحمل العبء الأكبر من الأمراض المعدية عالميًا. ففي مجال فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، يعيش أكثر من 25 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء مع المرض، أي ما يقرب من ثلثي إجمالي المصابين عالميًا. وحدها جنوب إفريقيا سجلت نحو 7.5 مليون حالة، تليها نيجيريا بحوالي 1.8 مليون، بينما تستمر الوفيات المرتبطة بالإيدز بمعدل مرتفع رغم التطور العلاجي.

اليوم يشهد إقليم دارفور بالسودان ارتفاعًا كبيرًا في إصابات الكوليرا، حيث سجلت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين 7268 حالة منذ بداية التفشي، بينها 309 وفيات.
وتصدرت مخيمات طويلة بـ 4491 إصابة و75 وفاة، تليها جبل مرة بـ 1105 إصابات و51 وفاة، فيما سجل مخيم كلمة 435 إصابة و64 وفاة، ومخيم عطاش 207 إصابات و51 وفاة، إلى جانب عشرات الحالات في نيالا، زالنجي، شعيرية وخزان جديد،وحذرت المنسقية من خطورة استمرار تفاقم الأوضاع في ظل ضعف مراكز العزل وقلة الإمكانات الطبية.
أما الملاريا فما زالت تعدّ القاتل الأول للأطفال في القارة، إذ سُجلت في عام 2023 أكثر من 233 مليون إصابة في إفريقيا وحدها، بنسبة تتجاوز 94% من الإصابات العالمية، وفق بيانات “اليونيسف”. واحتلت نيجيريا والكونغو الديمقراطية وتنزانيا والنيجر المراتب الأولى في عدد الإصابات والوفيات، مع استمرار عجز أنظمة الصحة الوطنية عن توفير العلاج والوقاية على نطاق واسع.
ولا يقل الوضع خطورة مع السل الرئوي، الذي تسبب في وفاة نحو 500 ألف شخص في القارة عام 2022، معظمهم في جنوب إفريقيا وموزمبيق وإثيوبيا، بينما تتفاقم الأزمة مع تزايد حالات السل المقاوم للأدوية. وفي الصومال على سبيل المثال، تشير تقديرات 2024 إلى أن واحدًا من كل خمسة مصابين بالسل يعاني من سلالة مقاومة للأدوية، ما يعكس هشاشة النظام الصحي في بلد يعاني الفقر والنزاعات.
كما عانت دول القرن الإفريقي – خصوصًا الصومال وإثيوبيا وجيبوتي – من موجات متكررة لوباء الكوليرا بين 2022 و2024، حيث تجاوزت الإصابات المعلنة 700 ألف حالة، فيما فاق عدد الوفيات عشرة آلاف شخص. ورغم أنّ هذه الأمراض قابلة للعلاج والوقاية عبر تحسين المياه والصرف الصحي، فإن التمويل الدولي المخصص لهذه الجوانب ظل يتراجع بشكل واضح.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك تفشي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية بين 2023 و2024، والذي أسفر عن آلاف الوفيات، ندرك حجم التحديات الصحية التي تواجهها القارة، في وقت يتسابق فيه الغرب لنهب ثرواتها من النفط والمعادن الاستراتيجية اللازمة للتكنولوجيا الحديثة كالليثيوم والكوبالت.

المفارقة الصارخة أنّ الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، خفّضت ميزانيات دعمها الصحي لإفريقيا خلال الأعوام الأخيرة. فقد أعلنت واشنطن في 2024 تقليص مساهماتها في برامج “بيبسفار” الخاصة بمكافحة الإيدز في الصومال وعدة دول أخرى، بحجة إعادة توجيه الأولويات. وهو ما أثار قلق المنظمات الدولية التي اعتبرت أن ملايين المرضى سيفقدون فرصتهم في العلاج بسبب هذا الانسحاب التدريجي.
إنّ المشهد يعكس تناقضًا تاريخيًا: فاليد الغربية التي امتدت إلى إفريقيا منذ قرون لتستعبد وتنهب وتستغل، تبخل اليوم عن مدّ يد العون لإنقاذ حياة الملايين من الفقراء. وكأنّ الاستغلال لا ينتهي؛ فالذهب والنفط والغاز الأفريقي ما زال يتدفق نحو أسواق الغرب، بينما تتراجع الميزانيات الصحية الموجهة لمكافحة الأمراض القاتلة.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لدول استعمرت إفريقيا ونهبت ثرواتها أن تواصل تجاهل واجبها الأخلاقي والإنساني في دعم القطاع الصحي بالقارة؟ إنّ دعم الصحة في إفريقيا ليس منّة ولا صدقة، بل هو استحقاق تاريخي وضرورة إنسانية وأمنية، لأن استمرار الأوبئة لا يهدد القارة وحدها بل يمتد أثره إلى العالم بأسره.
