. لا حديث يدور اليوم في لبنان غير الحديث عن سلاح المقاومة حزب الله، وتسليم هذا السلاح “للدولة اللبنانية”، وضرورة حصر السلاح بيد الدولة كما يعلن مرارا الرئيس اللبناني جوزيف عون، وما نسمعه من مسؤولين حكوميين وفي وسائل الإعلام المحلية والدولية.
ليس جديدا هذا النقاش الحاد في لبنان، فالسلاح في هذا البلد المُجاور للكيان الإسرائيلي كان دائما موجودا لدى أطراف كثيرة، بدءا من الفلسطينيين المُهجّرين من أرضهم المحتلة الذين اتخذوا من لبنان قاعدة للكفاح المسلح ضد “إسرائيل”، ثم اللبنانيين أنفسهم، ليتحول الأمر إلى “فوضى السلاح” نتج عنه الحرب الأهلية، فيما السلطة الرسمية تقف متفرجة أمام هذه الفوضى، وتدعو دوما لحصر السلاح بيد الجيش وسحبه من كل الأطراف، والقصة طويلة…
اليوم، بعد حرب لبنان الثالثة التي شنتها “إسرائيل” والتي استمرت 66 يوما، يعود النقاش بحدة حول سلاح حزب الله، وهذه المرة، المواجهة بين الحزب وبين الحكومة والرئاسة، الذين يقفان أو يظهر أنهما يقفان في صف معارضة حزب الله، على غرار الأطراف السياسية الأخرى التي تُعارض بشدة حزب الله وسلاحه المُوجّه ضد إسرائيل.
في هذا السياق، لابد من تسليط الضوء على بعض النقاط والملاحظات بخصوص عبارات كثيرة مترابطة مع بعضها نسمعها كثيرا في الإعلام وفي التصريحات الرسمية المباشرة منها “تسليم السلاح للدولة” أو “حصر السلاح بيد الدولة” ولماذا لا يُقال “حصر السلاح بيد السلطة اللبنانية”.
أولا، ورود مصطلح “الدولة” في عبارة “حصر السلاح بيد الدولة”، فيه شيء من الخطأ وسوء فهم مُتعمد يُراد تثبيته لأجل أهداف محددة، منها نزع الشرعية الوطنية والسياسية والقانونية لهذا السلاح، الإيحاء للمتلقي اللبناني بأن ما يقوم به الحزب هو عمل غير قانوني صرف، وبالتالي يتوجب التخلص من كل هذا الوضع غير القانوني، وهناك من يذهب بعيدا عبر تجريد حزب الله من انتمائه للدولة اللبنانية من خلال ذات المصطلح.
ثانيا، في المشهد، لدينا صراع ذو بعد دولي، بين حزب الله وإسرائيل، أو بين لبنان وإسرائيل، يُفترض أن يحتكم هذا الصراع إلى القانون الدولي، وضمن إطار هذا القانون الذي تُعتبر الدولة فيه طرفا أساسيا، فإنها تتمتع بثلاثة عناصر أساسية لكي تُسّمى “دولة” هم الشعب والإقليم والحكومة أو السلطة، ومن هنا، فإن سلاح الحزب عمليا هو محصور في الدولة اللبنانية عبر عنصرين هم الشعب والإقليم، فالمنتمون للحزب هم لبنانيون يتمتعون بالجنسية وكل الحقوق المرتبطة بها، والسلاح يوجد داخل جغرافيا إقليم الدولة اللبنانية وليس في مكان آخر، وبالتالي النقاش الحقيقي هو حول حصر السلاح بيد السلطة، وقد عبّر حزب الله مرارا عن عدم ممانعته لهذا الأمر، كونه هو جزء من السلطة.
ويريد حزب الله حصر السلاح بيد السلطة وفق آليات وطنية تحميه من الحسابات السياسية الضيقة التي لا شك بأنها ستودي بالسلاح إلى الإنقراض، وعبر مؤسسة الجيش والحوار معها يرى أنه ثمة إمكانية لحل هذه المشكلة التي يراها خصومه السياسيين مشكلة حقيقية وعبئ على لبنان.
ثالثا، يرى حزب الله أن شرعية السلاح مستمدة من الحق في مقاومة الاحتلال، وأيضا حق الشعب في تقرير المصير، وهي حقوق يكفلها القانون الدولي، بدءا من ميثاق الأمم المتحدة في الفقرة الثانية من المادة الأولى “، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث تنص المادة الأولى المشتركة في كليهما على أن “لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها”.
وتشكل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977 إطارا قانونيا مهما ينظم حالات النزاع المسلح والاحتلال، وقد وسّع البروتوكول الإضافي الأول من نطاق تعريف المنازعات المسلحة الدولية لتشمل “المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير مصيرها “المادة الأولى، الفقرة الرابعة”.
في لبنان، هناك احتلال إسرائيلي فعلي للأراضي، وأطماع وتهديدات مباشرة علنية وصريحة لاحتلال المزيد من الأراضي، ناهيك عن العدوان اليومي والاعتداءات المباشرة، وهي كلها أسباب منطقية لكي تكون هناك مقاومة كيفما كان طيفها ولونها الطائفي والأيديولوجي، ولكن القوة الاستعمارية (في هذه الحالة هي إسرائيل) لن تقبل ولن تريد أن تكون هناك أي مقاومة، وتعمل جاهدة لنزع الشرعية القانونية والسياسية وحتى الاجتماعية لسلاح المقاومة، على غرار ما قامت به القوى الاستعمارية فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في القرن العشرين ضد حركات المقاومة في بلدان إفريقيا وآسيا، فالنزعة والنبرة والسردية الاستعمارية هي ذاتها مع اختلاف في السياق والأدوات والإمكانيات التكنولوجية واللوجيستية.
وبما أن تحليل وتفكيك هذا النقاش يفضي إلى نتيجة غير مرضية بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهم، فإنهم يعملون جاهدا عبر أدوات الإعلام والسياسة ووسائل التواصل تثبيت وترسيخ السردية القائلة بأن حزب الله يعمل خارج إطار الدولة ولا يمتلك أية شرعية، وهو ما يجب أن يحذر منه اللبنانيون الذين يعتقدون أن الإصرار على تفعيل الأوراق القادمة من واشنطن هو أمر فيه قوة وشجاعة، بينما واشنطن نفسها لم تقدم للبنان ولا ضمانة واحدة لحمايتهم من التوسع الإسرائيلي المعلن أمام العالم في زمن “ما بعد السلاح”.
