د.محمد سليمان : ظلام السحر الأسود في أفريقيا حين يتحول الموروث إلى مأساة اجتماعية
كان السحر في أفريقيا منذ قرون – ولا زال – جزءًا من الموروث الشعبي في أفريقيا، وظل مرتبطًا بالطقوس الروحانية وتفسير الظواهر الغامضة، غير أنّ القرن الحادي والعشرين كشف عن وجه آخر لهذه الظاهرة، إذ أدي الإيمان المفرط بالسحر إلى ظهور أزمة اجتماعية وحقوقية تهدد حياة آلاف الأطفال والنساء في عدد من الدول الأفريقية مثل نيجيريا، حيث يمتزج الدين بالفقر والخرافة في مشهد معقد يثير قلق المنظمات الدولية.

فنيجيريا تعد البؤرة الرئيسية من بؤر ممارسة السحر في أفريقيا خاصة وأنها أعلى الدول الأفريقية تعدادا للسكان (أكثر من 220 مليون نسمة) من جهة. وتقدّر منظمات حقوقية مثل Stepping Stones Nigeria أنّ ما يقرب من 15,000 طفل في دلتا النيجر خلال العقدين الأخيرين جرى تشريدهم في الشوارع بسبب ممارسات السحرة الذين كانوا يتهمونهم بأن الأرواح الشريرة تسكن أجسادهم مما يدفع أسرهم إلى طردهم.

ولعل القاريء يظن أن االمأساة تنتهي هنا ولكن الواقع ان المأساة لا تتوقف عند ذلك بل تمتد في كثير من الأحيان إلى ممارسة طقوس عنيفة تمارس داخل بعض الكنائس يتعرض فيها هؤلاء الأطفال للضرب المبرح والتقييد بالسلاسل، والتجويع، بل وأحيانا يصل الأمر للقتل تحت ذريعة “طرد الأرواح الشريرة”.
وفي الحقيقة نيجيريا ليست وحدها في هذا المشهد، ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 25,000 طفل يعيشون في شوارع كينشاسا، 60% منهم طُردوا من أسرهم بسبب اتهامهم بسكون الأرواح الشريرة في أجسادهم.
أما في جامبيا، فقد شهد عام 2009 حملة حكومية واسعة انتهت باعتقال نحو ألف شخص، أُجبروا على شرب مواد مهلوسة بغرض الاعتراف بممارسة أعمال السحر.
وفي إثيوبيا ما تزال بعض القبائل تمارس عادة “مينجي”، حيث يُقتل الأطفال المولودون بتشوهات أو التوائم باعتبارهم مصدر شر يجب التخلص منه.

في أنجولا، يتعرض الأطفال اليتامى غالبًا للوصم بالتعرض للسحر، كذريعة لحرمانهم من الرعاية الأسرية.
في الواقع الإيمان بالسحر في إفريقيا لا يمكن فصله عن واقع الفقر وضعف التعليم والصراعات الأهلية. ففي مجتمعات تعجز عن تفسير الأمراض أو الكوارث أو حتى الفشل الاقتصادي، يصبح الاعتقاد بالسحر تفسيرًا سهلا ومقنعا، وغالبًا ما يدفع الثمن الفئات الأضعف.
وتزيد خطورة هذه الممارسات نتيجة لإعادة إنتاجها بخطاب ديني أو دعوي، حيث يمنحها ذلك شرعية جديدة وسط جمهور متدين يبحث عن حلول لمشكلاته اليومية من خلال دجالين يدعون أنهم رجال دين قادرين على فك السحر وطرد الأرواح الشريرة وجلب الخير، ما إلى ذلك من ادعاءات

الجذور العميقة للأزمة
أكدت العديد من الدراسات البحثية أن ظاهرة ممارسة السحر ليست ظاهرة منفردة معزولة عما حولها من أوضاع اقتصادية واجتماعية، بل لها جذور مرتبطة بـ الفقر، وانتشار العشوائيات، وتفكك البنى الاجتماعية الناجم عن تفشي النزاعات والحروب، إلى جانب ضعف نظم التعليم، وهيمنة الخطاب الديني المتشدد
بين الهوية والتحدي
لا يمكن إنكار أن السحر والطقوس الروحانية جزء من الهوية الثقافية الإفريقية، مثل الفودو في غرب إفريقيا أو الممارسات التقليدية في وسط وشرق أفريقيا المتمثلة في استخدام التعاويذ وإطلاق طقوس الهدف منها التواصل مع العالم الآخر التنبؤ بالمستقبل وعبادة الأرواح في وسط وشرق القارة.
لكن المشكلة تكمن في تحول هذه الموروثات إلى أدوات للعنف والتمييز كما سبق وتم وهنا يبرز التحدي أمام الدول الإفريقية: كيف يمكن التوفيق بين احترام التراث والموروث الثقافي من جهة، وحماية حقوق الإنسان والطفل من جهة أخرى؟
السحر والسياسة:
لم يقتصر استخدام السحر على الأفراد العاديين بل امتد إلى الساسة فتقارير عديدة وثّقت لجوء بعض السياسيين في إفريقيا إلى السحرة طلبًا للحماية أو للربح في الانتخابات أو كسب النفوذ. ففي نيجيريا مثلاً، لا يزال بعض المرشحين يستخدم الطقوس السحرية في أثناء الانتخابات، في محاولة لاسترضاء القوى الروحية اعتقادا منهم بأن هذه القوى تتحكم في النتائج.
الاقتصاد الخفي للسحر:
السحر ليس مجرد طقس اجتماعي، بل هو أيضًا اقتصاد قائم بذاته. في مدن مثل لاجوس وكمبالا وداكار، تنتشر أسواق متخصصة تبيع الأعشاب والتعاويذ والتمائم، لتشكل مصدر دخل للآلاف . ووفق تقارير محلية، يقدّر حجم هذا “الاقتصاد الخفي” بملايين الدولارات سنويًا، مما يجعله صناعة مؤثرة بشكل كبير حتى وإن كانت غير رسمية.
في النهاية: السحر في إفريقيا لم يعد مجرد موروث شعبي، بل أصبح قضية تنموية وإنسانية. فبينما يراه البعض وسيلة للتواصل مع عالم الغيبيات، يكشف الواقع عن آلاف الضحايا الذين يدفعون ثمن الخوف والجهل والفقر. وبالتالي فإن معالجة هذه الظاهرة يتطلب أكثر من مجرد إصدار بعض القوانين؛، إنما يتطلب الأمر اندلاع ثورة في مجال التعليم والثقافة تعيد بناء الوعي الجمعي، وتمنح الأجيال الجديدة أدوات أفضل لمواجهة المجهول بعيدًا عن سطوة السحر وخرافاته.
