لم يكن صنع الله إبراهيم مجرد كاتب ومبدع، بل كان حالة خاصة، إنسانًا شديد الرقة في ملامحه الداخلية، صلبًا في مواقفه، نقيًّا في حرفه، نادرًا في زمنٍ كَثُر فيه البائعون للمواقف والمشترون للكلمات.
تعرفت عليه عن قرب في كواليس حلقة من برنامج “زيارة خاصة” الذي كان يقدمه الإعلامي العربي الكبير سامي كليب. قبل التصوير، طلب الماكير أن يضع له بعض المكياج حتى لا تعكس الإضاءة لمعانًا على وجهه، لكنه رفض بشدة، وكاد أن يُلغي التصوير. كان ذلك الرفض جزءًا من شخصيته الصلبة، فهو لم يكن يساوم حتى في التفاصيل الصغيرة.
بعد نقاش طويل، وافق على مضض، وجلس أمام الماكير كطفل مستسلم، يطرح أسئلة عن أنواع المكياج وأصعب الوجوه التي تعامل معها. حين طلبت منه صورة نادرة، قلت ممازحًا: “سأسميها الوجه الآخر لصنع الله إبراهيم”. ابتسم وأجاب: “أكيد صورة نادرة… اكتب عليها ما تشاء”. واليوم، في رحيله، أكتبها كما أوصاني.

كان لقاؤنا الأول قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، في وقت كان صنع الله يعيش ذروة حضوره في الشارع العربي، بعدما رفض استلام جائزة الرواية العربية تضامنًا مع كرامة الأمة في العراق وفلسطين. لم يكن يملك سوى قلمه وشقة متواضعة بالإيجار، والجائزة كانت كفيلة بتغيير بعض ملامح حياته، لكنه وقف أمام الحضور وأعلن بهدوء أنه لا يقبل تكريمًا من حكومة “فقدت مصداقية منحها”، لأن الدماء كانت تسيل في بغداد وفلسطين. كانت لحظة نادرة في تاريخ المثقف العربي، لحظة صدق خالص.
قبل شهر أو أكثر، تعرض لوعكة صحية شديدة نُقل على إثرها إلى معهد ناصر، يعاني من كسر في الحوض ونزيف داخلي ومشكلات في الكليتين. ظل صامتًا كما كان طوال حياته، لم يطلب شيئًا، حتى العلاج لم يطلبه. عاش عمره معطيًا، ناسجًا حروفًا للوطن، وها هو يرحل تاركًا إرثًا من الكبرياء والصدق والإبداع.
كان وفي لمبادئه صلب في معارضته للأنظمة الخانعه وكان سابقا في توقع ما حدث في مصر والوطن العربي من تغيير وخاصة من روايته ومنها”ذات”، و”الجليد”، ونجمة أغسطس، و “بيروت بيروت”، و”النيل مآسي” و”وردة”و”أمريكانلي”ورواية “شرف” التى تعد من أفضل مائة رواية عربية.
رحم الله صنع الله إبراهيم… لم يكن وجهه الآخر إلا مرآةً لقلبه الكبير.
لمعرفة كل تفاصيل وقصة حياته يمكنكم من خلال هذا الرابط لحلقة زيارة خاصة
https://share.google/eaGEmqGGDzagf1565
