في خطوة أثارت قلقًا بيئيًا واسع النطاق، بدأت جمهورية الكونغو الديمقراطية تمهيدًا رسميًا لمنح تراخيص التنقيب عن النفط داخل أراضي غابات حوض الكونغو، ثاني أكبر غابة استوائية في العالم، في ظل تحذيرات دولية من تداعيات كارثية على البيئة المحلية والنظام المناخي العالمي.
المخطط الحكومي يشمل تخصيص أكثر من 124 مليون هكتار من الأراضي، تضم مستنقعات وغابات مطيرة بكراً، لشركات التنقيب واستغلال الوقود الأحفوري، وهو ما اعتبره خبراء البيئة “خيارًا شديد المخاطرة”، خصوصًا في ظل التزامات دولية متزايدة بالحد من انبعاثات الكربون والتوجه نحو الطاقات النظيفة.

حوض الكونغو… رئة إفريقيا تحت الضغط
لطالما شكلت غابات حوض الكونغو، الممتدة عبر عدة دول إفريقية، ركيزة من ركائز التوازن المناخي في العالم، إذ تساهم في امتصاص مئات ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، فضلاً عن دورها في تنظيم هطول الأمطار وضمان الأمن الغذائي والمائي لملايين السكان.
لكن الاتجاه الجديد نحو فتح الباب أمام أنشطة النفط، يهدد هذا النظام البيئي الدقيق بالتدهور. ويخشى علماء البيئة أن تتحول الغابات من “رئة طبيعية” إلى مصدر انبعاثات خطرة، مع تزايد عمليات الحفر، إزالة الأشجار، والتلوث الناتج عن النشاط الصناعي.
ماضي قريب… وتجارب مثيرة للجدل
لم تكن هذه المرة الأولى التي تسعى فيها الكونغو لطرح أراضيها البكر للاستثمار في النفط. ففي عام 2022، حاولت الحكومة بيع امتيازات داخل منتزه فيرونغا الوطني، أحد أبرز المحميات الطبيعية في إفريقيا، لكن الضغوط الدولية منعت تنفيذ المشروع آنذاك.
وفي موازاة ذلك، ظهرت مبادرات بديلة أكثر صداقة للبيئة، مثل محاولة شركة استثمارية في نيويورك شراء حقوق التنقيب بغرض تحويلها إلى مشاريع تعويض كربوني. إلا أن هذه المبادرات ظلت محدودة التأثير، وغير مدعومة بإرادة سياسية كافية على المستوى المحلي.
اقتصاد مقابل بيئة… نقاش لا ينتهي
الحكومة الكونغولية، من جهتها، تؤكد أن الموارد الطبيعية غير المستغلة تمثل فرصة اقتصادية نادرة لتحسين أوضاع البلاد، التي تُصنّف ضمن أفقر الدول في العالم. ويرى مسؤولون أن عائدات النفط يمكن أن تدعم مشروعات التنمية والبنية التحتية، إذا ما أُديرت بشكل شفاف ومسؤول.
مؤيدو هذا التوجه يضربون مثلاً بـ الغابون، التي استطاعت تطوير قطاعها النفطي مع الحفاظ على مساحات شاسعة من غاباتها المطيرة. غير أن منتقدين يحذرون من المقارنة السطحية، مشيرين إلى الفارق في مستويات الحوكمة، والقدرات المؤسسية، والرقابة البيئية.
تهديد لملايين البشر… وأزمة بلا حدود
بحسب تقديرات دولية، فإن 39 مليون شخص يعيشون في محيط الغابات المهددة بالتنقيب، وقد تتأثر حياتهم وسبل معيشتهم بشكل مباشر. كما أن نحو 64% من الغطاء الغابي الاستوائي في الكونغو مهدد بالتدهور، ما قد يؤدي إلى تفاقم موجات الجفاف، وفقدان التنوع البيولوجي، وزيادة انبعاثات الكربون.
تأثير هذا التدهور لن يكون محليًا فحسب؛ إذ يسهم حوض الكونغو بدور محوري في ضبط المناخ في إفريقيا، ويمتد أثره إلى مناطق بعيدة عبر التغيرات في أنماط الأمطار وتيارات الهواء.

الكونغو عند مفترق طرق
في ظل التغير المناخي المتسارع، تقف الكونغو اليوم عند مفترق طرق بيئي. فبين إغراءات العائدات النفطية وضغوط التنمية من جهة، وحتمية الحفاظ على أحد آخر معاقل الطبيعة البكر في العالم من جهة أخرى، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد معادلة متوازنة تضمن مستقبلًا أخضرًا للبلاد، وللقارة، وللكوكب بأسره.