نقاش دستوري وقانوني كبير تشهده المملكة المغربية هذه الأيام، بعد إقرار المحكمة الدستورية العليا للبلاد بعدم مطابقة مواد من القانون 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية للدستور.
وتبعا لقرار المحكمة الدستورية رقم 255/25 الصادر في 04 آب أغسطس، فإن المحكمة في إطار مراقبتها لدستورية هذا القانون تراءى لها أن تثير فقط، المواد والمقتضيات التي بدت لها بشكل جلي وبيّن أنها غير مطابقة للدستور أو مخالفة له.
وقضت المحكمة الدستورية بعدم مطابقة عشرات المواد من القانون المذكور لما فيها من مس بمبدأ الأمن القضائي، ومس بتكافؤ وسائل الدفاع بين المتنازعين، ومساس باستقلالية السلطة القضائية، ولكون بعضها يبني الأحكام على الشك والتخمين لا على اليقين، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر فيها من قبل غرفتي البرلمان، مجلس النواب ومجلس المستشارين، قبل أن يُعاد عرض القانون مرة أخرى على المحكمة لمراقبة التوافق مع الدستور.
وأشارت المحكمة إلى أن منح وزير العدل صلاحية الطعن في قرارات قضائية أمام محكمة النقض يشكل خرقًا لمبدأ فصل السلطات، إذ أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية وفق الدستور. كما رفضت المحكمة إدارة وزارة العدل للنظام المعلوماتي الخاص بتسجيل القضايا وتعيين القضاة، مؤكدة أن هذه المسؤولية يجب أن تبقى من اختصاص السلطة القضائية فقط لضمان استقلاليتها.
ترحيب وزاري بالقرار
من جانبها، رحّبت وزارة العدل المغربية بقرار المحكمة الدستورية حول قانون المسطرة المدنية، مؤكدة احترامها الكامل لاختصاصات المحكمة الدستورية واستقلالها، ومعتبرة أن هذا القرار يعكس حيوية المؤسسات الدستورية للمملكة، ويجسد روح التفاعل الإيجابي بين السلط، في إطار احترام مبدأ فصل السلط، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات، وفق بلاغ لها منشور بالموقع الرسمي.
وصرّح وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي “نحن لا نخشى الرقابة الدستورية، بل نشجعها ونراها ضمانة حقيقية لدولة القانون. من يشكك في دور المحكمة الدستورية، إنما يشكك في روح الديمقراطية نفسها. هذا القرار يفتح الباب أمام نقاش قانوني رفيع المستوى، ويعزز مشروعنا الإصلاحي داخل المؤسسات وبقوة المؤسسات”.
إشادات من أصوات المعارضة
بالمقابل، وصفت أصوات من أحزاب المعارضة البرلمانية ومن المجتمع المدني القرار بأنه صفعة قانونية بوجه الحكومة التي عجزت عن احترام المقتضيات الدستورية خلال وضعها القانون.
فاطمة التامني، نائبة برلمانية عن حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، اعتبرت أن رفض المحكمة الدستورية للمسطرة المدنية يثبت أن معركة بناء دولة القانون لا يمكن أن تُدار بمنطق التسرع والإقصاء وتغليب المصالح السياسية على ضمانات المواطنين، مؤكدة أن المطلوب هو فتح نقاش وطني واسع لإصلاح حقيقي لمنظومة العدالة يضع حقوق المواطن المغربي فوق كل اعتبار.
كذلك، أشاد محمد الغلوسي رئيس الجمعية المغربية لمحاربة المال العام بقرار المحكمة الدستورية قائلا أن “عقل الدولة يتصدى لانحرافات حكومة زواج المال والسلطة”، مؤكدا أن “الحكومة ليست هي الدولة، وأن المحكمة الدستورية هي الحريصة على احترام الشرعية الدستورية والمكتسبات الحقوقية والقواعد القانونية والقضائية منذ عقود من الزمن.

اختصاصات رقابية وقرارات غير قابلة للطعن
وتُعد مراقبة مطابقة القوانين للدستور أهم اختصاص تمارسه المحكمة الدستورية في المغرب، حيث تتأكد من القوانين التنظيمية والقوانين العادية والأنظمة الداخلية للمؤسسات الدستورية وكذا الالتزامات الدولية من اتفاقيات ومعاهدات.
ولا تقبل قرارات المحكمة أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية، كما أنها تُنشر بالجريدة الرسمية للمملكة.
كما أن قرار المحكمة القاضي بعدم المطابقة للدستور يحول دون إصدار الأمر بتنفيذ القوانين أو تطبيق الأنظمة الداخلية، ويحول كذلك دون المصادقة بند من أي التزام دولي إلا بعد مراجعة الدستور.
