لم تكن الجيوش الاستعمارية تكتفي بالسيطرة على الأرض والثروات، بل عمدت إلى نهب تراث الشعوب وسرقة آثارها ونقلها إلى المتاحف الأوروبية، حيث لا تزال تُعرض حتى اليوم باعتبارها “قطعًا عالمية”، في تجاهل صارخ للحق التاريخي والثقافي لشعوب الجنوب، خاصة في العالمين العربي والأفريقي.
اليوم، وبعد عقود من الصمت، تشهد الساحة الدولية تحولات مهمة تعيد فتح هذا الملف الشائك، في مقدمتها تحرك فرنسي غير مسبوق أعلنته وزيرة الثقافة رشيدة داتي بإصدار قانون يُتيح إعادة الآثار الأفريقية دون الرجوع إلى البرلمان، بما يخفف العقبات البيروقراطية التي طالما أخرت عمليات الاسترداد.فهل نشهد نهاية استعمار من نوع آخر؟ استعمار ثقافي، يمتد في قاعات المتاحف الأوروبية؟
حجر رشيد وبرونزيات بنين… شواهد على النهب العابر للقارات
حجر رشيد بالمتحف البريطاني في لندن
من أبرز رموز هذا النهب، حجر رشيد، القطعة الأثرية المصرية التي شكّلت مفتاحًا لفك رموز اللغة الهيروغليفية. اكتُشف الحجر عام 1799 خلال الحملة الفرنسية، ثم وقع في يد البريطانيين عام 1801، ومنذ ذلك الحين يُعرض في المتحف البريطاني، رغم المطالبات المصرية المتكررة باستعادته.
مصر، التي استردت خلال العقد الماضي أكثر من 29 ألف قطعة أثرية نُهبت بطرق غير مشروعة بين عامي 2011 و2021، لا تزال تصطدم بجدار من الرفض حين يتعلق الأمر بالحجر، رغم خروجه بشكل غير قانوني في ظروف احتلال عسكري.
كما تُعد برونزيات بنين النيجيرية من أشهر الأمثلة على النهب المنظم. هذه المنحوتات المعدنية الفريدة، التي أبدعها حرفيو مملكة بنين بين القرنين 13 و19، نُهبت بالكامل خلال حملة بريطانية عام 1897، وتوزعت على متاحف العالم، خاصة المتحف البريطاني ومتحف برلين، لتُعرض بعيدًا عن موطنها الأصلي حتى اليوم.
نيجيريا سعت لاسترجاع القطع البرونزية من المتاحف الألمانية
أفريقيا بلا تراث في متاحفها… 90% من الآثار في أوروبا!
وفقًا لتقرير بتكليف من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن 90% من التراث الثقافي لأفريقيا جنوب الصحراء يوجد اليوم خارج القارة، أغلبه في المتاحف الأوروبية. وقد أعلن ماكرون عام 2017 أن “التراث الثقافي الأفريقي لا يمكن أن يبقى رهينة المتاحف الأوروبية”، في سابقة على مستوى قادة الغرب.
وزير الخارجية المصري يحضر مراسم استرداد قطع اثرية في باريس
تبع هذا الإعلان خطوات عملية، أبرزها إعادة فرنسا لقطع أثرية إلى نيجيريا وساحل العاج، من بينها طبل مقدس نُهب عام 1916 من قبيلة إيبري.
قطع برونزية نيجيريا
متاحف ترفض الاعتراف… وقوانين تُجهض العدالة
ورغم المبادرات الفردية، لا تزال متاحف كبرى مثل المتحف البريطاني، اللوفر، منتدى هومبولت، ومتحف فيكتوريا وألبرت، ترفض إعادة آلاف القطع الأثرية، مدعية أنها “حُرّاس الثقافة” أو أن الظروف في بلدان المنشأ لا تسمح بالحفاظ على الآثار.
في المقابل، تتسلح الدول المنهوبة اليوم بالقرارات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي تُلزم الدول بإعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة بعد هذا التاريخ. إلا أن الكثير من الآثار نُهبت قبل ذلك، ما يجعل استعادتها أكثر صعوبة، ويضع عبء الإثبات على عاتق الدولة المطالبة، وليس المتحف الحائز.
استثناءات قانونية أم ذرائع استعمارية جديدة؟
يرى قانونيون أن القانون الدولي لا يسمح للسارق بالاحتفاظ بما نهب، مهما طال الزمن، وأن حيازة القطع الأثرية بطريقة غير شرعية لا تسقط بالتقادم. وتدعم اتفاقيات حقوق الإنسان “الحق في الثقافة”، بما يُعزز مطالب الدول المستعمرة سابقًا باستعادة كنوزها الثقافية.
لكن المتاحف الغربية لا تزال تتحجج بعدم وجود متاحف مؤهلة في بعض البلدان، أو بغياب الاستقرار السياسي. وهي حجج يصفها نشطاء بأنها استمرار لـ”منطق الوصاية الاستعمارية” بأسلوب ناعم.
قطعه أثرية تم استردادها من هولندا
معركة طويلة لكن استرداد الآثار لم يعد مستحيلاً
التحولات الأخيرة، خاصة من باريس وبرلين، تشير إلى أن ما كان مستحيلاً بالأمس بات ممكنًا اليوم. لقد نجحت مصر بالفعل في استعادة أكثر من 90% من مستهدفاتها في ملف استرداد الآثار خلال 7 سنوات فقط، وتنتظر أن يُستكمل ذلك بعودة حجر رشيد، الذي لم يُهدَ أو يُشترَ أو يُكتشف عبر بعثة رسمية، بل انتُزع انتزاعًا من أرضه.
ومع تنامي الوعي العالمي، وتزايد الحملات الشعبية والدبلوماسية، تزداد فرص استعادة الدول العربية والأفريقية لتراثها، الذي يشكّل ليس فقط رمزًا لهويتها، بل ركيزة من ركائز سيادتها الثقافية.
حين تصبح المتاحف سجونا للذاكرة
قضية الآثار المنهوبة لم تعد مجرد جدل ثقافي أو تراثي، بل أصبحت معركة سياسية وأخلاقية بامتياز. فبقاء تلك القطع في المتاحف الأوروبية هو استمرار لصفحة سوداء من تاريخ الاستعمار، لم تُطوَ بعد. ولعل السؤال الأهم الآن: هل تملك أوروبا الشجاعة الكافية لتُعيد الحقوق لأصحابها؟ أم أن استعمار الثقافة لا يزال هو الآخر يبحث عن مبررات للبقاء؟