حين نتحدث عن حضور المرأة في الفضاء العام كثيرا ما نقع في فخ المقارنة بين “المرأة التقليدية” و”المرأة العصرية”، وكأن الأولى كانت غائبة والثانية قد ظهرت فجأة لتنقذ الموقف والحقيقة أن المرأة الموريتانية ومنذ أزمان الخيام البدوية لم تكن في الهامش قط

في خيمتها كانت تدير شؤون الأسرة وتربي الأجيال وتدير الموارد المالية وتوجه القرار الاجتماعي بحكمة لم تكن فقط “ربة بيت”، بل “ربّة قرار” يحسب لها ألف حساب في محيطها
الفرق بين الأمس واليوم ليس في جوهر الدور بل في المواقع والمساحات التي تغيرت من إدارة خيمة إلى إدارة وزارة من السوق المحلي إلى البرلمان ومن المجالس الشعبية إلى منصات الإعلام.
من تسيير الخيمة إلى قيادة الحكومة
اليوم لم تعد المرأة الموريتانية صانعة قرار في محيطها العائلي فقط بل باتت حاضرة في مفاصل الدولة تدير مؤسسات وتناقش الميزانيات وتشارك في صناعة السياسات العامة

في سجل الريادة النسائية العربية يظل اسم الناها بنت حمدي ولد مكناس علامة فارقة ليس فقط في موريتانيا بل على مستوى الوطن العربي.
ففي عام 2009 دخلت الناها التاريخ حين تم تعيينها وزيرة للشؤون الخارجية والتعاون لتصبح بذلك أول امرأة عربية تتولى هذا المنصب السيادي وجدت نفسها على رأس دبلوماسية بلد كامل تمثل موريتانيا في المنتديات الدولية وتدير ملفات شائكة بثقة وكفاءة
الناها التي تنحدر من أسرة سياسية مرموقة شغلت أيضا مناصب وزارية أخرى الصحة التعليم التجارة، السياحة، الزراعة ما جعلها نموذجا سياسا فريدا يجسد حضور المرأة في الملفات الوطنية الكبرى دون أن تفقد ملامحها الموريتانية الأصيلة

إلى جانب السياسة الخارجية برزت المرأة أيضا في الحكم المحلي ويكفي أن نذكر اسم فاطمة بنت عبد المالك أول سيدة تترأس بلدية في البلاد عام 2001 (بلدية تفرغ زينة). أعيد انتخابها لعدة دورات وأصبحت2018رئيسةلجهة انواكشوط لتكون أول امرأة تقود عاصمة عربية على هذا المستوى
نجاح فاطمة لم يكن صدفة بل نتيجة طبيعية لامرأة تنتمي لتقاليد التسيير والحزم التي ورثتها من بيئتها فحولتها إلى أدوات عملية لخدمة مواطني العاصمة.
المرأة والإعلام: الصوت الذي لا يسكت
كوني إعلامية أعرف يقينا أن حضور المرأة في وسائل الإعلام ليس رفاها بل ضرورة لتصحيح الصورة النمطية وتمكينها من رواية قصتها بنفسها

من الرائدة المرحومة الناها منت سيديّي أول صوت نسائي يخرج عبر أثير إذاعة موريتانيا في الستينات إلى مئات الصحفيات اليوم قطعت المرأة الإعلامية في بلادي شوطا كبيرا ومع أن النساء يشكلن نسبة لابأس بها فهناك نسب تقريبية حول مراكز القرار من ٣٠ إل ١٠ في المائة
الإذاعة في المقدمة
تليها التلفزة ثم الوكالة الموريتانية للأنباء هذا بالنسبة الإعلام الرسمي فإذن تمثيلهن في المناصب القيادية ما زال ضئيلا جدا رغم أن التلفزيون الرسمي تديره سيدة هي الوزيرة السابقة السنيةسيدي هيبة

إنها فجوة واضحة ولسنا هنا لنجمل الواقع بل لنواجهه
نساء يجددن المعنى
المشهد لا يكتمل دون الإشارة إلى الجيل الجديد من الشابات الطموحات مثل آيساتا لام التي اختيرت مستشارة في قمة مجموعة السبع G7 وكرمت بوسام الاستحقاق الوطني وتترأس غرفة التجارة للشباب
هؤلاء النسوة لا يقتحمن فقط الفضاء العام بل يعيدن تشكيله على أسس جديدة وعي تمكين ريادة وحضور عالمي بلا عقد نقص

دور السيدة الأولى مريم محمد فاضل الداه في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال التوحد
إن دور السيدة الأولى مريم محمد فاضل الداه يمثل أحد أبرز وأهم أوجه الرعاية الاجتماعية في موريتانيا. فهي لم تقتصر على مهامها الرمزية أو البروتوكولية بل تعد نموذجا في العمل الاجتماعي والإنساني حيث قدمت دعما مستمرا لذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال التوحد معتبرة هذا الملف من أولوياتها
هذا الالتزام الملموس من السيدة مريم محمد فاضل الداه لا يعكس فقط مساعيها الإنسانية بل يؤكد على دور المرأة في القيادة الاجتماعية حيث تعتبر نموذجا في الجمع بين التمكين الاجتماعي والتراث الثقافي وتسعى بكل جهد لتطوير مجتمع موريتاني أكثر شمولية وتكافؤا
بين التمكين والأصالة
المرأة الموريتانية حين تتقدم لا تتنازل عن خصوصيتها لا تزال الملحفة حاضرة ولا تزال البساطة عنوانا والقيم مرجعية ليست غربية في نهضتها بل موريتانية في كل التفاصيل وهذا ما يجعل تجربتها متفردة وملهمة
من صوت في الخيمة إلى صوت في الدولة
ما تطالب به المرأة اليوم ليس ترفا سياسيا بل حق أصيل لقد كانت صانعة رأي في الخيمة فما بالك الآن في ظل الدولة والمؤسسات؟
الختام: لا نبدأ من الصفر بل نكمل المسير المرأة الموريتانية لا تبتدئ حكايتها اليوم لقد سبقت زمانها في البادية وها هي اليوم تعيد كتابة التاريخ على طاولات الحوار وفي صناديق الاقتراع وفي دهاليز الإعلام
