الغام السودان ازالتها تكلف الف مرة ثمن زرعها وضحاياها بالآلاف
في السودان، تُزرع الألغام في الأرض، لكن آثارها تمتد إلى ما هو أعمق من التربة: تمتد إلى روح الوطن، وجسد شعبه. الحرب المشتعلة بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تكتفِ بالقتل العلني، بل مضت نحو القتل الخفي، تحت الأقدام، في الطرقات والمزارع والبيوت.
منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، سجّل “المركز القومي لمكافحة الألغام” في السودان آلاف البلاغات عن مناطق مزروعة بالألغام، خصوصًا في الخرطوم ودارفور وكردفان. وقدّر المركز وجود أكثر من 15 ألف لغم وأداة متفجرة منتشرة في مناطق النزاع، بينما تشير تقارير أممية إلى أن السودان يُعدّ من أكثر الدول تلوثًا بالألغام في إفريقيا، حيث أُعلن رسميًا في 2022 عن وجود نحو 135 كيلومترًا مربعًا من الأراضي الملوثة.
وفي الأشهر الأخيرة فقط، وثّقت منظمات دولية ومحلية أكثر من 420 حادث انفجار لألغام ومخلفات حرب، أودت بحياة ما لا يقل عن 300 مدني، من بينهم نساء وأطفال، وخلّفت المئات من الجرحى والمبتورين.
الأكثر قسوة، أن هذه الألغام لم تُزرع في أرض العدو، بل في أسواق الخرطوم، ومداخل الأحياء، وحول المدارس والمساجد، كما حدث في منطقة “غابة السنط” بين جسري النيل الأبيض والفتيحاب، لكن الضحية كان المواطن العادي، الذي بات يخشى حتى السير إلى السوق.
تكلفة إزالة لغم واحد تصل إلى 1,000 دولار، بينما لا تتعدى تكلفة زرعه 10 دولارات. مفارقة مؤلمة توضح كيف أن تدمير الحياة أرخص من حمايتها، وكيف أن الحرب تزرع الموت بسرعة، بينما السلام ينتزع الألغام ببطء وألم.
هنا لا يبدو السؤال: “من ينتصر؟” بل: “من سيبقى؟”. فإذا كان الصراع يُزهق أرواح أبناء السودان، ويحوّل ترابه إلى فخاخ، فمَن سيبقى ليُحكم؟ الدولة لا تُبنى بالخرائط بل بالشعب، فإذا انفجرت الألغام في جسده، فمن الذي سيبقى ليحمل الجنسية أو يرفع العلم؟
في وطن يُفخّخ من الداخل، يصبح الموت بلا وجه، والحكم بلا جدوى.
