هذه الكلمات كُتبت بدموع انحبست في رف الجفن ولم تُرد أن تسقط، غيّرت الدموع مسارها من العين إلى الحنجرة لتخرج في شكل صرخة لكنّها اختنقت بسبب حاجز اسمه الحزن، لتتسرب إلى أصابع اليد التي تحكمت في كل دمعة وحولتها لكلمة رقيقة أدرك جيدا أنها مهما كانت لن تصف حجم الموقف وحجم الحزن.
إن الحدث عظيم، وحجم الفقد أعظم، والوداع صعب وأكبر من يوصف بكلمات، إنه وفاة ورحيل لن يُمحى حزنه من القلب بسهولة أو يُنسى رغم نعمة النسيان، لبنان وبلاد الشام والبلاد العربية وكل العالم يفقد رمزا من رموزه الخالدة، ارتبط اسمه الكامل ببلده أشدّ ارتباط، واليوم يفقد هذا الوطن قطعة منه تركت فيه جرحا غائرا في وقت عصيب.
عرفتُ لبنان ذلك البلد الفريد والمتفرد في الشرق الأوسط والعالم وأحببته عبر أيقونته الخالدة السيدة فيروز، الصوت الملائكي الذي كانت ولا تزال أشجار الأرز كورالا له، وسمعه القمر فطلب أن تكون جارته، وجعلت فلسطين بوصلة لها طول الزمن، والمقاومة موقفا إنسانيا وأخلاقيا متناغما مع المبادئ والقيم التي زرعتها في قلب جمهورها.
لم تكن السيدة فيروز صانعة لمجدها بصوتها الملائكي فقط، فعنوان المجد الخالد في ذاكرة لبنان والعرب والعالم كلّه، كتبه ولحنّه وعزفه مبدعون كبار أسماؤهم لا تُعدّ ولا تحصى، وفنّهم وإبداعهم تخطى وعبر كل الحدود والثقافات، فكان جسرا مُشيّدا بالحب والجمال لن يتهدّم قط، من حليم الرومي الذي اكتشفها إلى عاصي الرحباني زوجها وشقيقه منصور الرحباني إلى ابنها الأكبر الذي ترّبى على الموسيقى والأدب والفن والشعر والسياسة زياد الرحباني.
زياد الرحباني الذي أحبّ بلاده ولم يتخلّى عنها، غنٌى للمقهورين والمحرومين والجوعى والجرحى والقتلى، غنّى للثكالى واليتامى والأرامل الذين أفجعت الحروب قلوبهم، غنى ضد الفقر والجهل والاستبداد والظلم، ألحانه كانت ثورة، ومواقفه كانت صرخة مدوية، ليكون اسما خالدا كُتب بمداد من الفخر وطُبع في ذاكرة الموسيقى العربية والعالمية،
ولم يُغني زياد يوما للرؤساء والملوك والأمراء، ولم يذهب للحفلات الخاصة في القصور والفنادق الفخمة، ولم يكن يريد أن يعيش حياة الأموال الطائلة والبريستيج والبروتوكولات الفنية والأمنية، لم يتهافت على الجوائز والأوسمة والنيّاشين، كي يُسمّى ثقيل الوزن في الساحة، لكن ثقله وزخمه كان في بساطته وضحكته وروح النكتة، فنان لم يُقدم فنه على أسواق نخاسة دمرّت كل الفن، بل حافظ على إرث عائلة عريقة عبر كل الحدود والقارات والثقافات.
رأينا في جنازته المهيبة التي حظيت بتغطية إعلامية لبنانية وعربية ودولية، أناس بسطاء من الحي الذي سكن فيه ومن أحياء بيروت تجمهروا حول المشفى إلى جانب رفاقه وأصدقائه وزملائه لحظة خروج نعشه من المشفى إلى مثواه الأخير في بكفيا، وكان المشهد دليلا على عمق وصدق محبّة الناس لزياد الرحباني الإنسان والفنان والمثقف الذي انغمس بين الشعب وحمل همومه على كتفيه، ومرّر رسائل الشعب في أغانيه ومسرحياته وكل إبداعاته.
زياد الرحباني اتخذ بكل حرية وشجاعة وقوة مواقف سياسية واضحة، زياد هو صوت المقاومة والتحرير، هو الذي رفع شعار المقاومة والممانعة منذ شبابه وصغره، وصرّح إن “الوطنية هي أن تكون ضد إسرائيل”، كان موقفه مساندا للمقاومة الفلسطينية واللبنانية وكل حركات المقاومة ضد إسرائيل، وعشق سيد المقاومة اللبنانية والعربية السيد الشهيد حسن نصر الله، وصرّح في مقابلة مُسجلة له مع قناة الميادين سنة 2013 “والدتي تُحب نصر الله، ولو لم تكن تُحبه لما لحنّت لها”، كلّفته مواقفه الصريحة الكثير من الحروب ضد زملائه المفترضين في مهنته الذين تخلف بعضهم عن نصرة بلادهم، وكلفته حروبا أثارتها أنظمة سياسية ضده وضد والدته فيروز، خاض بعضها
صوته وألحانه، تصريحاته وكلماته، تفاصيله البريئة والمضحكة وجرأته القوية، صدقه وصراحته، كلها في دفعة واحدة، اخترقت قلوب ملايين المحبين وسكنت أرواحهم على مرّ العقود منذ أن ظهر للمرة الأولى، واعتبروه فردا من عائلتهم، أما هو فعائلته كانت والدته والده وإخوته وآل الرحباني وأصدقائه المقربين منه ورفاق درب كانوا دوما على العهد والوعد، ومئات الملايين من المستمعين المحبين له والمولوعين بموسيقى زياد الرحباني.
إنه رحيل قاس بقسوة الزمن وعنفه، هذا الزمن الذي يتغير بعنف حولنا وعلينا، رحيل قاس نتجرعه بألم كما تجرعنا فقد أحبة قريبون من قلوبنا وأرواحنا، رحيل رغم أننا ندرك حقيقته لكنّنا نرفضه بشدة حين يأتي، إننا ندين الموت بأشد العبارات في العلن لأنه يخطف منا في كل فترة قطعة من الروح والقلب، برحيل زياد تكون دموع قد نزلت من خد القمر الذي قال لنا أننا جيرانه بصوت جارة القمر الأولى، وتكون شجرة أرز شامخة قد سقطت من أعلى الجبل، لكن جذورها ستبقى راسخة وضاربة في عمق الذاكرة والتاريخ ولن تُمحى.
