تستمد انتخابات التجديد النصفي الأميركية أساسها من المادة الأولى من الدستور، التي تفصل بين مدة ولاية مجلس النواب ومدة ولاية مجلس الشيوخ، ضمن نظام رئاسي يقوم على استقلال السلطتين التشريعية والتنفيذية وتبادلهما الرقابي، اليوم ينتخب الأميركيون جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 نائباً لمدة سنتين، وكذلك ينتخبون 35 عضواً في مجلس الشيوخ، تشمل مقاعد التجديد الدوري وانتخابات خاصة، بينما تبلغ الولاية الكاملة للسيناتور ست سنوات، ويتجدد نحو ثلث المجلس كل سنتين، وتبدأ ولاية الكونغرس الجديد في الثالث من كانون الثاني 2027.
ان صفة النصفية يقصد بها بان هذه الانتخابات تقع في منتصف الولاية الرئاسية البالغة أربع سنوات، أما الانتخابات المتزامنة مع انتهاء ولايته فتجمع بين اختيار رئيس وانتخاب مجلس النواب وتجديد مجموعة ثلثية أخرى من أعضاء الشيوخ، ولذلك تبقى الطبيعة القانونية للانتخابات التشريعية واحدة في الحالتين، ويختلف السياق السياسي ووجود السباق الرئاسي، ففي انتخابات 2028 سيحتاج المرشح الرئاسي إلى 270 صوتا من أصل 538 في المجمع الانتخابي، بينما تحسم عضوية الكونغرس عبر انتخابات الدوائر والولايات، دون المرور بهذا المجمع.
يتوزع الثقل الانتخابي وفق معادلتين دستوريتين مختلفتين، يراعي مجلس النواب التوزع السكاني حيث تملك كاليفورنيا 52 مقعدا وتكساس 38، بينما مقعد واحد لوايومنغ، اما مجلس الشيوخ يمثل الولايات بالتساوي بعدد 100 عضو يعني عضوين لكل ولاية مهما بلغ حجمها السكاني، ولذلك تتساوى كاليفورنيا ووايومنغ في التصويت داخل الشيوخ رغم التفاوت السكاني الكبير، وينتخب النائب عادة ضمن دائرة داخل الولاية، بينما ينتخب السيناتور على مستوى الولاية كاملة، فتختلف أدوات التعبئة والتحالفات وحسابات المرشحين بين المجلسين.
سياسيا، يدخل الجمهوريون الانتخابات مدافعين عن سيطرتهم على المجلسين، ويتمتعون في الشيوخ بأغلبية 53 مقابل 47 للكتلة الديمقراطية، ما يجعل الديمقراطيين بحاجة إلى مكسب صاف قدره أربعة مقاعد لبلوغ 51، أما التعادل عند خمسين مقعدا لكل طرف فيمنح نائب الرئيس الجمهوري جي دي فانس سلطة ترجيح التصويت، وفي مجلس النواب تبلغ عتبة الأغلبية المطلقة 218 مقعدا، لكن حسمها يجري دائرة بدائرة، ولهذا قد لا تتحول أفضلية حزب في التصويت الشعبي الوطني إلى أغلبية مماثلة في المقاعد.
وتشير تقديرات عشية الاقتراع إلى أفضلية ديمقراطية لاستعادة مجلس النواب، مع بقاء معركة الشيوخ أكثر غموضا، وهذه ترجيحات وليست نتائج، إذ تبرز المنافسة الفعلية في النواب بين نحو أربعين أو خمسين دائرة، بينما تبرز في الشيوخ مواجهات مثل الجمهورية سوزان كولينز والديمقراطي تروي جاكسون في مين، والديمقراطي روي كوبر والجمهوري مايكل واتلي في كارولاينا الشمالية، والديمقراطي شيرود براون والجمهوري جون هاستد في أوهايو، وتكشف هذه الخريطة أهمية المرشح المحلي وقدرته على تجاوز الهوية الحزبية التقليدية للولاية.
يأتي تأثير هذه الجولة النصفية على انتخابات 2028 بشكل سياسي وتنظيمي أكثر منه قانونيا، فالنتائج تختبر قوة خطاب الرئيس دونالد ترامب، وقدرة الديمقراطيين على استعادة الناخبين المترددين، وتمنح الفائزين شبكات تمويل وتعبئة ومنابر رقابية، وقد تقوي موقع فانس داخل الجمهوريين أو تفتح المنافسة أمام قيادات أخرى، لكنها لا تمنحه الترشيح تلقائيا، كما أن فوز الديمقراطيين لا يضمن الرئاسة المقبلة، فالناخب قد يوازن بين السلطات ثم يغير اختياره لاحقا، وبموجب التعديل الثاني والعشرين لا يجوز انتخاب ترامب رئيسا للمرة الثالثة، بعد انتخابه في 2016 و2024.
اما بالنسبة إلى ارجحية التعديل بين الوزراء الحاليين، في اميركا لا يوجد حكومة تأخذ ثقة المجلس، لذلك تستمر الإدارة في ممارسة صلاحياتها بعد الانتخابات دون تاثير، فالنظام الأميركي الذي لا يجعل بقاء الحكومة مرتبطا بثقة أغلبية برلمانية فلن يسقط وزراء الحكومة بخسارة الجمهوريين، ولا يحتاج الوزراء المثبتون في مناصبهم إلى موافقة جديدة، لكن اذا كان من تأثير فسيطرة الديمقراطيين المرجحة على الكونغرس قد تصعب تثبيت بدلاء يرشحهم ترامب للمناصب التي تتطلب موافقته لاحقاً، وكذلك تتيح الأغلبية الجديدة استجواب المسؤولين ومراجعة أدائهم، وقد تدفع الضغوط الرئيس إلى تعديل فريقه سياسيا، دون وجود التزام دستوري بإجراء تعديل وزاري.
في قرار الحرب، يمنح الدستور الكونغرس سلطة إعلانها، بينما يتولى الرئيس القيادة العليا للقوات المسلحة، ومن هنا تنشأ مساحة نزاع حول العمليات العسكرية التي يبدأها الرئيس دون إعلان رسمي، ويلزمه قانون صلاحيات الحرب بتقديم تقرير خلال 48 ساعة في الحالات المحددة، ويضع أصلا مهلة ستين يوما لإنهاء المشاركة في الأعمال العدائية دون تفويض، مع استثناءات وإمكان تمديد محدود للانسحاب، ولذلك تستطيع أغلبية معارضة التضييق عبر التشريع والرقابة والتمويل، لكن قدرتها العملية تتأثر بالفيتو الرئاسي والخلاف على تفسير الصلاحيات.
ابن تظهر قوة الكونغرس بوضوح؟ في الموازنة، فالرئيس يقترح أولوياته، بينما يحتاج الإنفاق إلى اعتمادات يقرها المجلسان وتصبح قانونا، وقد يؤدي الصدام المتوازن إلى تعطيل تمويل بعض المؤسسات وإغلاق حكومي جزئي مجدداً، دون أن يعني ذلك توقف الدولة كلها، وخارجيا تستطيع الأغلبية تعديل المساعدات العسكرية وشروطها والعقوبات وتمويل الانتشار العسكري، كما تتطلب المعاهدات موافقة ثلثي الشيوخ الحاضرين، ولذلك ستحدد الانتخابات مقدار الحرية المتاحة لترامب تجاه إيران وإسرائيل وأوكرانيا وروسيا والصين، وقد تنتج تسويات أو مواجهات مؤسسية، فيما يظل اتجاه السياسة مرتبطا أيضا بتوافقات الحزبين ومصالح الولايات والتحالفات الدولية.
ويبرز في هذه المعركة دور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها ايباك، وهي منظمات ذات توجه سياسي محدد ولا تمثل اليهود الأميركيين جميعا، ويتجسد تأثيرها في تعبئة الداعمين والإعلانات ودعم مرشحين من الحزبين ومواجهة منافسيهم، وقد أعلنت ايباك أن أعضاءها قدموا أكثر من 90 مليون دولار مباشرة للمرشحين خلال الدورة الحالية، مع استمرار نشاط لجنة الإنفاق المستقل المرتبطة بها (يونايتد ديموكراسي بروجكت)، رغم إعلان تغيير آليات التأييد والتبرع المباشر، ومن المستفيدين من التمويل المار عبر لجنتها السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز المرشحة في مين، والسيناتور الجمهوري توم كوتون المرشح في أركنساس، والنائبان الديمقراطيان المرشحان لإعادة الانتخاب ويسلي بيل عن ميزوري وجاريد موسكوفيتز عن فلوريدا، بما يكشف أن معيار الدعم يتجاوز الانتماء الحزبي إلى الموقف من إسرائيل، وفي المقابل يبقى السيناتور الديمقراطي تشاك شومر عن نيويورك خارج اقتراع هذه السنة، إذ يحين التجديد الدوري لمقعده في 2028، فتتشكل موازين الكونغرس من الفائزين الجدد والأعضاء المستمرين معا، ويستهدف الضغط التأثير في قرارات المساعدات العسكرية والعقوبات والسياسة الإقليمية، دون أن يشكل التمويل وحده ضمانة للفوز أو دليلا على التحكم بتصويت كل عضو.
