تظهر المقارنة بين اسرائيل وبريطانيا ان الانتخابات البرلمانية لا تعني انتخاب رئيس الحكومة بصورة مباشرة، بل تعني اختيار البرلمان الذي تنبثق منه السلطة التنفيذية. غير ان الاختلاف الجوهري بين البلدين يكمن في طريقة تحويل الاصوات الى مقاعد، وفي دور رئيس الدولة، وفي طبيعة المفاوضات التي تسبق تشكيل الحكومة ونيلها الثقة.
وتكتسب هذه المقارنة اهمية خاصة في اسرائيل، حيث تجري الانتخابات البرلمانية (الكنيست) في 27 تشرين الاول 2026 وسط منافسة حادة بين رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو ومنافسيه ذلك في ظل توقعات بصعوبة حصول اي من المعسكرين على الاغلبية المطلوبة، اما بريطانيا، فتقدم نموذجا مختلفا يقوم على الانتخاب الفردي في الدوائر، الامر الذي يجعل الحزب القادر على حصد اكبر عدد من المقاعد اقرب عادة الى تشكيل الحكومة والتنافس التاريخي حزب العمال والمحافظين.
اولا: قانون الانتخاب وتحويل الاصوات الى مقاعد
يعتمد النظام الاسرائيلي على التمثيل النسبي الكامل، اذ تشكل البلاد دائرة انتخابية وطنية واحدة، ويصوت الناخبون لقوائم حزبية لا لمرشحين منفردين في دوائر محلية، ويتألف الكنيست من 120 عضوا يشترط لدخول البرلمان تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25 بالمئة من الاصوات الصحيحة، وتوزع المقاعد على القوائم التي تتجاوز هذه النسبة وفقا لقواعد التمثيل النسبي.
وتنتج عن ذلك تعددية حزبية واسعة، لا يحصل فيها حزب واحد عادة على الاغلبية المطلقة البالغة 61 مقعدا، ما يجعل تشكيل الحكومة رهنا بالتحالفات والتفاهمات بين الأحزاب، فالكتلة التي تحصل على اكبر عدد من المقاعد لا تضمن تلقائيا الحكم، كما ان الحزب الذي يحتل المرتبة الثانية قد يتمكن من تشكيل الحكومة اذا استطاع جمع دعم اغلبية نيابية.
اما في بريطانيا، فينتخب مجلس العموم عبر نظام الاغلبية البسيطة في الدوائر الفردية، اذ تنتخب كل دائرة نائبا واحدا ويفوز المرشح الذي يحصل على اكبر عدد من الأصوات، ويؤدي ذلك الى اختلاف واضح بين نسبة الاصوات الوطنية ونسبة المقاعد البرلمانية، وقد يحصل حزب على اغلبية مريحة في مجلس العموم من دون ان ينال اغلبية مماثلة من مجموع اصوات الناخبين.
وبالتالي، يشجع النظام البريطاني على تركيز المنافسة حول الاحزاب الكبرى، مع بقائه قادرا على انتاج برلمان معلق عندما لا يتمكن اي حزب من الحصول على اغلبية المقاعد، اما النظام الاسرائيلي فيحول التعددية الحزبية الى واقع برلماني مباشر، ويجعل التفاوض اللاحق للانتخابات جزءا اساسيا من العملية السياسية.
ثانيا: من يكلف رئيس الحكومة؟ دور رئيس الدولة في اسرائيل وبريطانيا
في اسرائيل لا يختار الناخب رئيس الحكومة مباشرة، بل ينتخب الكنيست ثم تبدأ مرحلة المشاورات السياسية، ويتولى رئيس الدولة اسحاق هرتسوغ استشارة ممثلي الكتل البرلمانية، ثم يكلف عضو الكنيست الذي يرى ان لديه افضل فرصة لتشكيل حكومة تحظى بثقة البرلمان وليس ملزما قانونا بتكليف رئيس الحزب الذي حصل على اكبر عدد من المقاعد، وان كان ذلك يحدث غالبا عندما يكون زعيم الحزب الاكبر قادرا على جمع الاغلبية.
ويمنح القانون المكلف 28 يوما لتشكيل الحكومة، مع امكانية تمديد المهلة بما لا يتجاوز 14 يوما اضافيا. واذا فشل، يمكن تكليف عضو اخر، وفق الاجراءات والمواعيد التي يحددها القانون الاساسي للحكومة. واذا استنفدت فرص التشكيل من دون نجاح، فقد ينتهي المسار الى انتخابات جديدة، بينما تستمر الحكومة القائمة في تصريف الاعمال الى حين قيام حكومة بديلة.
اما في بريطانيا، فالملك تشارلز الثالث هو رئيس الدولة، لكنه لا يمارس اختيار رئيس الحكومة وفق ارادته السياسية الشخصية. فبموجب الاعراف الدستورية، يدعو الشخص القادر على حيازة ثقة مجلس العموم الى تولي رئاسة الحكومة. وفي الظروف المعتادة، يكون هذا الشخص زعيم الحزب الذي حصل على اغلبية المقاعد. ولا يحتاج الى مفاوضات ائتلافية معقدة عندما يمتلك حزبه اغلبية مريحة.
ويظهر الفرق هنا في طبيعة الدور الرئاسي والملكي. فرئيس اسرائيل يؤدي وظيفة دستورية تتضمن مشاورات رسمية واختيار المكلف استنادا الى فرصه في جمع الدعم النيابي، فيما يؤدي الملك البريطاني وظيفة دستورية يغلب عليها الطابع الشكلي، وتحدد الاعراف السياسية مضمون قراره. ولا يعني ذلك ان رئيس اسرائيل يختار الحكومة بمفرده، او ان الملك البريطاني يملك سلطة سياسية مستقلة في تحديد من يحكم. ففي الحالتين، تبقى القدرة على الحصول على دعم البرلمان هي العامل الحاسم.
ثالثا: المفاوضات وتشكيل الحكومة ونيل الثقة
بعد التكليف، تبدأ في اسرائيل المفاوضات الفعلية بين الاحزاب ولا تتعلق هذه المفاوضات بتوزيع الحقائب الوزارية فقط بل تشمل ايضا الاتفاق على البرنامج السياسي والموازنة والتجنيد العسكري والقضايا الدينية والاجتماعية والسياسات الامنية والخارجية، وقد يطلب الحزب الصغير الذي يحتاج اليه المكلف لاستكمال الاغلبية تنازلات تتجاوز حجمه الانتخابي، الامر الذي يمنحه تأثيرا سياسيا كبيرا.
وبعد التوصل الى اتفاق، يقدم المكلف تشكيلة الحكومة ومبادئ سياستها وتوزيع المسؤوليات الوزارية الى الكنيست، ويطلب نيل الثقة، ولا تصبح الحكومة قائمة الا بعد حصولها على ثقة البرلمان، وعندها يتولى رئيس الحكومة والوزراء مهامهم، ولذلك فان الفوز الانتخابي في اسرائيل هو بداية معركة الحكم وليس نهايتها.
وفي بريطانيا، يعين رئيس الحكومة الوزراء ويشكل مجلسه الوزاري على ان تكون الحكومة قادرة على الاستمرار في حيازة ثقة مجلس العموم، ولا توجد عادة جلسة تنصيب برلمانية مطابقة تماما للاجراء الإسرائيلي يشترط فيها ان تتقدم الحكومة الجديدة بطلب ثقة مستقل قبل مباشرة عملها، لكن الحكومة تظل معرضة للمساءلة، وقد تسقط اذا خسرت تصويتا حاسما يتعلق بالثقة او اذا تعذر عليها تمرير ما يلزم من تشريعات وقرارات اساسية.
وفي حال عدم حصول اي حزب بريطاني على اغلبية مطلقة، يمكن ان تتشكل حكومة ائتلافية، او حكومة اقلية تتفاهم مع احزاب اخرى على دعمها في التصويت على برنامجها او الموازنة، ولا يشترط ان تتحول كل تفاهمات الدعم الى مشاركة وزارية رسمية. وهكذا، فان النظام البريطاني لا يلغي التوافق لكنه يجعله في العادة اقل تعقيدا عندما ينتج النظام الانتخابي اغلبية واضحة لحزب واحد.
رابعا: الانتخابات الاسرائيلية الحالية والتحالفات وميزان القوى
تكشف انتخابات 27 تشرين مفارقة سياسية مهمة: فقد يكون حزب الليكود الحزب الاكبر منفردا من دون ان يكون معسكره الاقدر على تشكيل الحكومة، وتشير استطلاعات الخروج الاولية الى عدم حصول اي من المعسكرين الرئيسيين على 61 مقعدا، وهي الاغلبية المطلوبة في الكنيست المؤلف من 120 عضوا، وهذه تقديرات اولية وليست نتائج رسمية نهائية، اذ ينتظر اعلان النتائج الرسمية في 4 تشرين الثاني.
ابرز الاحزاب والتحالفات وقياداتها مع المقاعد التي توقعتها استطلاعات الخروج الاولية لهيئة البث الاسرائيلية كان مع التمييز بين المقاعد المتوقعة لكل حزب وبين مجموع مقاعد المعسكر الذي يمكن ان يتعاون معه، لان التحالفات الانتخابية لا تعني بالضرورة اتفاقا نهائيا على تشكيل الحكومة.
المقاعد التالية تشير تقديرات استطلاع الخروج وليست نتائج رسمية نهائية.
المعسكر الاول: اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو
الليكود، برئاسة بنيامين نتنياهو: 25 مقعدا متوقعا، وهو الحزب الاكبر في الاستطلاع، ويشكل محور المعسكر اليميني.
عوتسما يهوديت، برئاسة ايتمار بن غفير: 7 مقاعد، ويمثل اليمين القومي المتشدد.
شاس، بقيادة ارييه درعي: 6 مقاعد، ويمثل قطاعا واسعا من اليهود الشرقيين المتدينين.
يهدوت هتوراه، او يهودية التوراة الموحدة: 6 مقاعد متوقعة، ويمثل التيار الحريدي الاشكنازي.
الصهيونية الدينية، برئاسة بتسلئيل سموتريتش: 6 مقاعد، وتمثل اليمين الديني القومي.
ويبلغ مجموع هذه المقاعد المتوقعة 50 مقعدا، وفق تصنيف استطلاع الخروج ، وتكمن مشكلة نتنياهو في ان حلفاءه الطبيعيين لا يوفرون له اغلبية مستقلة، ما يضطره الى البحث عن شركاء اضافيين او تغيير مواقف قوى اخرى من المشاركة معه.
المعسكر الثاني: المعارضة الاسرائيلية
يشعار، برئاسة غادي ايزنكوت، رئيس الاركان السابق: 21 مقعدا متوقعا، وهو المنافس المركزي لليكود.
معا، بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد: 14 مقعدا، وهما شخصيتان سبق ان تولا رئاسة الحكومة، رغم اختلاف خلفيتيهما السياسية.
الديمقراطيون، برئاسة يائير غولان: 10 مقاعد متوقعة، ويمثلون التيار اليساري الصهيوني.
اسرائيل بيتنا، برئاسة افيغدور ليبرمان: 8 مقاعد، وهو حزب قومي علماني يميني يعارض نتنياهو.
القائمة المشتركة: 10 مقاعد متوقعة، وتمثل احزابا عربية ويسارية، لكنها ليست جزءا مضمونا من ائتلاف صهيوني بديل.
اما القائمة العربية الموحدة، برئاسة منصور عباس، فتتوقع استطلاعات الخروج حصولها على 7 مقاعد. وقد تتمكن الاحزاب العربية من التأثير في حسابات تشكيل الحكومة، سواء عبر المشاركة المباشرة او دعم حكومة من خارج الائتلاف، لكن مواقف الاحزاب الصهيونية الرئيسية من التعاون معها تضع قيودا على هذا الاحتمال.
وبحسب استطلاع الخروج لقناة «كان»، حصل المعسكر المناهض لنتنياهو على نحو 53 مقعدا، مقابل 50 للمعسكر المؤيد له، مع توقع 17 مقعدا للاحزاب العربية، وتختلف هذه المجاميع عن جمع مقاعد الاحزاب منفردة بسبب اختلاف تصنيف الكتل السياسية في التغطيات الانتخابية، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها تقديرات اولية قابلة للتعديل.
خامسا: ماذا تعني النتائج لمستقبل الحكومة؟
المشكلة الاسرائيلية لا تتعلق فقط بمن يتصدر الانتخابات، بل بمن يستطيع تحويل المقاعد الى ائتلاف قادر على الحكم، فقد يكون نتنياهو زعيم الحزب الاكبر، لكنه يحتاج الى شركاء يضمنون له الاغلبية. وقد يكون ايزنكوت قادرا على جمع عدد اكبر من المقاعد ضمن معسكره، لكنه يواجه بدوره صعوبة في الحصول على دعم كاف اذا رفضت الاحزاب العربية المشاركة او تقديم دعم برلماني لحكومته.
وهنا تظهر اهمية رئيس الدولة اسحاق هرتسوغ، فبعد اعلان النتائج الرسمية، سيستشير ممثلي القوائم، ثم يكلف الشخصية التي يراها الاقدر على تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست، وقد تكون هذه الشخصية زعيم الحزب الاكبر، لكن ذلك ليس حتميا وتبقى المفاوضات هي العامل الذي يحدد ما اذا كان التكليف سيتحول الى حكومة فعلية او الى جولة جديدة من الازمة السياسية.
في المقابل، توضح التجربة البريطانية ان نظام الاغلبية البسيطة قد يمنح الحزب الفائز عددا كبيرا من المقاعد يسمح له بتشكيل الحكومة بسرعة، كما حصل في انتخابات 2024 حين فاز حزب العمال بقيادة كير ستارمر باغلبية مجلس العموم، لكن هذا النظام لا يمنع بدوره ظهور برلمان معلق او حكومة اقلية، اذا توزعت المقاعد على نحو لا يسمح لحزب واحد بالسيطرة على الاغلبية.
ان المقارنة بين اسرائيل وبريطانيا توضح ان الفارق الاساسي في كيفية انتاج الاغلبية البرلمانية، و ليس في وجود البرلمان او دور رئيس الدولة، فالنظام البريطاني يميل الى المنافسة عبر الدوائر الفردية، وقد يحول التفوق النسبي في الاصوات الى اغلبية كبيرة في المقاعد، اما النظام الاسرائيلي فيعكس التعددية الحزبية بصورة اوسع، لكنه يجعل تشكيل الحكومة عملية تفاوضية طويلة ومعقدة.
وفي اسرائيل تحديدا، لا يكفي ان يفوز نتنياهو او ايزنكوت بالمرتبة الاولى، بل يجب ان ينجح احدهما في جمع 61 صوتا على الاقل لدعم الحكومة، وقد تتحول الاحزاب الصغيرة الى قوى مرجحة ( بيضة أبان)، ويصبح التنازل السياسي ثمنا ضروريا لتأمين الأغلبية لذلك فان الانتخابات لا تحسم وحدها هوية الحاكم، بل تحدد نقطة البداية لصراع جديد على بناء السلطة، واذا لم ينجح احد المعسكرين او ائتلافهما معاً بتشكيل حكومة بعد ٢٨ يوماً من تاريخ صدور نتائج الانتخابات، وعدم نجاح احدهما بتشكيل حكومة أقليات بعد تمديد ١٤ يوماً اضافياً فان إسرائيل مقبلة على حولة جديدة من الانتخابات في اذار ٢٠٢٧ وهو مأزق تعاني منه إسرائيل منذ ٢٠٢٩-٢٠٢٢.
