في خطوة تاريخية تشهدها الحياة السياسية في المملكة المغربية، عين الملك محمد السادس يوم أمس الثلاثاء، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسةً للحكومة المكلفة، إثر تصدُر حزبها نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر 2026.
وجاء هذا التعيين استناداً إلى أحكام الفصل 47 من الدستور المغربي، لتصبح المنصوري أول امرأة تترأس الجهاز التنفيذي في تاريخ المملكة.
تعيين يتوج مسار الحركة النسائية بالمغرب
يحمل وصول امرأة إلى سدة الحكومة أبعاداً رمزية وسياسية فائقة الأهمية في المشهد الإقليمي والمحلي، إذ يرتبط هذا الحدث بالتراكمات التاريخية والنضالية للحركة النسوية المغربية التي عملت عقوداً من أجل تمكين المرأة وسيادة مبدأ المناصفة.
ويأتي هذا التكليف تتويجاً لمسار حافل بالريادات النسائية التي شهدها المغرب عبر تاريخه الحديث، بدءاً من مليكة الفاسي بصفتها المرأة الوحيدة الموقعَة على وثيقة المطالبة بالاستقلال عام 1944، مروراً بدخول لطيفة بناني سميرس وبديعة السكالي قبة البرلمان كأول برلمانيتين مغربيتين عام 1993، وتعيين زليخة نصري كأول مستشارة ملكية، وزينب العدوي كأول امرأة تتولى منصب والي جهة ثم رئيسة للمجلس الأعلى للحسابات، ومريم بنصالح شقرون كأول رئيسة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، وصولاً إلى المنصوري نفسها التي سجلت سبقاً تاريخياً كأول امرأة تترأس مجلس مدينة كبرى كمدينة مراكش عام 2009.
ويُعد هذا التكليف تجسيداً للإصلاحات الهيكلية التي شهدها المغرب، بدءاً من تعديل مدونة الأسرة عام 2004، وصولاً إلى إقرار دستور 2011 الذي نص في مادته التاسعة عشرة على المساواة بين الجنسين في كافة الحقوق المدنية والسياسية.
كذلك، يمثل التعيين انتقالاً للمشاركة السياسية للنساء من حدود التمثيلية الرمزية والمطالب الترافعية إلى مربع الممارسة الفعلية للسلطة التنفيذية وصياغة القرار الوطني.
ويسهم هذا التطور في كسر السقف الزجاجي أمام القيادات النسائية في إدارة السياسات العمومية، متجاوزاً منطق المحاصصة نحو الاستحقاق الدستوري المباشر وترسيخ نموذج إقليمي يعزز مكانة المرأة في أعلى مراكز القرار.من قضايا المحاماة إلى قضايا السياسة
تنحدر فاطمة الزهراء المنصوري من مدينة مراكش، وهي ابنة الباشا الأسبق عبد الرحمن المنصوري.
نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط عام 1998، ثم دبلوم الدراسات المعمقة في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه بفرنسا عام 1999، أتبعته بتكوين في قانون الأعمال بجامعة نيويورك عام 2000.
وشغلت المنصوري موقع المحاماة بتخصص في القانون التجاري والعقود، قبل أن تدخل عالم السياسة مع تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008.
وانتُخبت عمدة لمدينة مراكش عام 2009 كأول امرأة تتقلد هذا المنصب الترابي، وأُعيد انتخابها في المنصب ذاته سنة 2021.
وعلى المستوى الحكومي، تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في الفترة ما بين 2021 و2026، قبل أن تُختَار ضمن القيادة الجماعية للحزب عام 2024.
ترحيب دبلوماسي دولي واسع
على المستوى الدولي، حظي التعيين بمتابعة ملحوظة، عكستها بيانات التهنئة والإشادة الصادرة عن البعثات الدبلوماسية المعتمدة في الرباط وعواصم القرار العالمي.
وأكدت دول الشراكة التقليدية، كفرنسا والمملكة المتحدة، تطلعها لمواصلة التعاون الثنائي الاستراتيجي، في حين اعتبرت المؤسسات الأوروبية والإسبانية هذه الخطوة مؤشراً دالاً على متانة واستقرار المؤسسات التنفيذية المغربية.
ويشكل هذا الاستقرار عاملاً حاسماً لضمان استمرار التنسيق المشترك في ملفات جيوسياسية حساسة، تشمل الأمن الإقليمي، وتدبير تدفقات الهجرة، والشراكات الطاقية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وإقليمياً، توالت ردود الفعل الإيجابية من عواصم عربية وإفريقية رأت في الحدث خطوة متقدمة لتعزيز الحضور النسائي في مراكز القرار.
كما رحبت منظمات أممية، وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بهذا التعيين، معتبرة إياه مؤشراً يعكس الالتزام بتقليص الفجوة بين الجنسين في الحقل السياسي وتمكين المرأة من قيادة الشأن العام بكفاءة.
رهانات وملفات ساخنة تنتظر الحكومة المقبلة
وتفتتح رئيسة الحكومة المكلفة مرحلة المشاورات الحزبية لبناء ائتلاف حكومي مستقر، حيث يستلزم تحصيل الأغلبية البرلمانية التوصل إلى توافقات سياسية لتجاوز عتبة 198 مقعداً من أصل 395 في مجلس النواب، بغية تأمين أغلبيّة نيابية متماسكة قادرة على تمرير التصريح الحكومي والتشريعات الأساسية.
ويرتقب أن يواجه التشكيل الحكومي الجديد ملفات تنفيذية وازنة، في مقدمتها إدارة الملف الاقتصادي عبر مواجهة التضخم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين وتحفيز التشغيل المستدام.
وتتضمن الأولويات أيضاً استكمال بناء أركان الدولة الاجتماعية من خلال تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، فضلاً عن الإشراف على البنية التحتية والاستثمارات الكبرى المرتبطة باستضافة المملكة لنهائيات كأس العالم 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال.
كما تتجه الأنظار نحو قدرة الحكومة الجديدة على الموازنة بين الأبعاد الرمزية لهذا التكليف التاريخي وتقديم إجابات عملية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
