في موريتانيا لا يحتاج الناس إلى كثير من التفسير حين يأتي الخريف فالمطر عندنا رزق من الله تنزل به رحمته على الأرض وتستبشر به القلوب وتنتظره العائلات بلهفة يعرفها كل موريتاني
وبمجرد أن تهطل القطرات الأولى يتغير وجه الحياة وتتغير الأحاديث وتبدأ الأخبار تتناقل بين الناس أين أمطرت وكيف حال المطر عندكم وكأن الجميع ينتظر بشارة تأتي من جهة ما
فالخريف في موريتانيا ليس مجرد فصل من فصول السنة بل موسم يستيقظ معه شيء قديم في الذاكرة موسم كانت فيه حياة الناس مرتبطة بالأرض والمطر والمرعى وكانت الغيوم تترقب بشغف لأن المطر يعني حياة جديدة للأرض والماشية والإنسان
وفي الذاكرة الموريتانية للمطر مكان لا ينافسه فيه شيء فما إن تهطل القطرات الأولى حتى تبدأ الاتصالات بين الأهل والأصدقاء وتبدأ معها أخبار المراعي والخضرة والوجهات التي وصلها المطر
وحين تمطر لا يكتفي الموريتاني بمشاهدة الخريف من نافذة بيته بل يبدأ في شد الرحال إليه تتحول العطلة إلى رحلة نحو الداخل حيث الخضرة والمطر والفضاء المفتوح وحيث تستعيد العائلة شيئا من علاقتها القديمة بالأرض
طرق تمتلئ بالمسافرين وسيارات تحمل الأسر والأطفال ووجهات تستعيد حيويتها مع كل موسم خريف وكأن المطر لا يسقي الأرض وحدها بل يوقظ المدن والقرى والذكريات
وفي هذا السياق تأتي حملة وزارة السياحة وطني وجهتي لتمنح هذه الرغبة في السفر داخل الوطن معنى أجمل فموريتانيا التي نبحث أحيانا عن جمالها بعيدا تختزن في داخلها أماكن تستحق أن نكتشفها وأن نعيش تفاصيلها

أما في نواكشوط فللخريف حكاية مختلفة قليلا نحن نحب المطر وننتظره ونفرح حين تغسل قطراته وجه العاصمة لكن فرحتنا كثيرا ما تختلط بشيء من القلق بسبب تجمع المياه في بعض الشوارع
ومع ذلك يبقى الأمل أن تكبر نواكشوط بما يليق بأهلها وأن تصبح أمطارها يوما مناسبة للفرح الخالص وأن تكتمل صورة العاصمة الحديثة بما يجعل المطر فيها نعمة نحتفي بها دون قلق
وربما لهذا السبب لا يستطيع الموريتاني أن يتعامل مع الخريف كفصل عابر فهو موسم يعيدنا إلى أماكننا الأولى ويذكرنا بأن الوطن ليس العاصمة وحدها ولا المدن التي اعتدنا عليها بل تلك المساحات الواسعة التي تكتسي بالخضرة حين يأتيها المطر بإذن الله
كل قطرة تحمل حكاية وكل طريق إلى الداخل يحمل ذكرى وكل أرض تخضر تدعو أهلها للعودة إليها
فما أجمل أن يأتي الخريف فتستعيد الأرض لونها وتستعيد الطرق زحامها وتستعيد العائلات دفء رحلاتها ونكتشف أن أجمل وجهاتنا قد تكون أقرب إلينا مما نظن

وما أجمل أن يصبح المطر دعوة لاكتشاف الوطن وأن نظل كلما جاء الخريف نكتشف موريتانيا من جديد
فهذا الوطن الذي نحب لا يحتاج إلى موسم كي يكون جميلا لكنه في الخريف يكشف لنا وجها آخر منه ويذكرنا بأن أجمل الرحلات ليست دائما تلك التي تأخذنا بعيدا بل تلك التي تعيدنا إلى أنفسنا وإلى أرضنا وإلى ذكرياتنا الأولى
