في قراءة لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر هذا الأسبوع فقد تعتبر الزيارة بروتوكولية أو اقتصادية تقليدية بالشكل ، لكن في التوقيت والمضمون السياسي للزيارة والموقع الجغرافي للدولة المضيفة واضافة الى الملفات التي طرحت خلالها تجعلها محطة ذات دلالات استراتيجية تتجاوز العلاقات المصرية الصينية إلى مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط والبحر الاحمر والنظام الدولي.
فالمعنى الاهم للزيارة يكمن في كونها جاءت في لحظة تعاد فيها صياغة خرائط القوة في المنطقة، وفي وقت تواجه فيه الدول العربية سؤالا اساسيا يتعلق بمدى قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في احتكار دور الشريك الامني والسياسي والاقتصادي الاول في الشرق الأوسط.
مصر بين واشنطن وبكين
لا تعني زيارة الرئيس الصيني أن مصر قررت الانتقال من المعسكر الاميركي إلى المعسكر الصيني، لكن الزيارة تعكس انتقال السياسة المصرية من الارتباط شبه الاحادي بالولايات المتحدة إلى سياسة تنويع الشراكات وتحقيق التوازن بين القوى الكبرى، فالقاهرة تريد الاحتفاظ بالعلاقة العسكرية مع واشنطن والعلاقة الرسمية مع إسرائيل وفق اتفاقية كامب دايفد، وفي الوقت نفسه تريد تطوير شراكتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية مع الصين، وتوسيع علاقاتها مع روسيا ودول بريكس والقوى الاسيوية.
لذلك لا تظهر مصر في هذه الزيارة بوصفها جبهة مواجهة صريحة ضد الولايات المتحدة، بل بوصفها قوة موازنة تسعى إلى تحسين شروط علاقتها بواشنطن من خلال إظهار قدرتها على الانفتاح على البدائل، وهذه السياسة تمنح القاهرة هامشا تفاوضيا أكبر لكنها تضعها أيضا أمام تحدي تجنب التحول إلى ساحة مباشرة للصراع الاميركي الصيني.
وقد اكتسب التعاون العسكري بين مصر والصين دلالة خاصة مع إجراء تدريبات جوية مشتركة واستخدام طائرات صينية من طراز جي 16 إلى جانب مقاتلات رافال الموجودة لدى القوات الجوية المصرية، فهذا التعاون لا يعني استبدال المنظومة العسكرية الاميركية فورا، لكنه يوجه رسالة مفادها أن القاهرة لا تريد بقاء تسليحها وخياراتها الدفاعية محصورة بالكامل بالمصادر الغربية.
موقع اسرائيل في حسابات الزيارة
تحمل الزيارة دلالة مرتبطة بالعلاقة الثلاثية غير المتكافئة بين مصر والولايات المتحدة واسرائيل، فواشنطن اعتادت النظر إلى مصر باعتبارها ركنا اساسيا في بنية السلام التي تحمي أمن اسرائيل وتحافظ على التوازن الاقليمي منذ اتفاقيات كامب ديفيد، غير أن التحولات المرتبطة بحرب غزة ومحاولات تهجير الفلسطينيين والضغط على معبر رفح وتوسيع العمليات العسكرية الاسرائيلية وضعت القاهرة أمام تحديات تتصل بأمنها القومي المباشر.
تحتاج مصر إلى شريك دولي يؤيد رفض التهجير القسري للفلسطينيين ويتمسك بقيام دولة فلسطينية ويحترم مركزية الدور المصري في إدارة ملفات غزة وإعادة الاعمار، والصين قادرة على منح القاهرة غطاء سياسيا داخل مجلس الامن وفي المحافل الدولية من دون أن تطلب منها التطبيع الاضافي مع اسرائيل أو الانضمام إلى ترتيبات إقليمية بقيادة تل أبيب.
الا ان الصين لا تسعى في الوقت نفسه إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع اسرائيل، فهي تقيم معها علاقات تجارية وتكنولوجية مهمة، ولذلك يتمثل الفارق بين المقاربتين الصينية والاميركية في أن بكين تقدم نفسها داعمة للحقوق الفلسطينية ولحل الدولتين، بينما تنظر غالبية دول المنطقة إلى واشنطن باعتبارها الشريك العسكري والسياسي الرئيسي لإسرائيل.
ومن هنا تستفيد مصر من الحضور الصيني باعتباره ثقلا دوليا موازنا، لا بديلا كاملا ولا حلفا موجها مباشرة ضد اسرائيل، فالهدف المصري هو منع احتكار قوة دولية واحدة لعملية التسوية ولمستقبل غزة ولترتيبات الامن في شرق المتوسط والبحر الأحمر.
قناة السويس في قلب الشراكة
تمثل قناة السويس نقطة الالتقاء الاوضح بين المصالح المصرية والصينية، فبالنسبة إلى مصر تشكل القناة موردا سياديا واستراتيجيا وممرا يمنحها مكانة لا تتناسب فقط مع حجم اقتصادها، أما بالنسبة إلى الصين فهي جزء أساسي من الطريق البحري الذي يربط مراكز الانتاج الاسيوية بالاسواق الأوروبية.
ولا يقتصر الاهتمام الصيني على عبور السفن، بل يمتد إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والموانئ والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والطاقة الخضراء وبناء السفن والصناعات المرتبطة بالتصدير، وبذلك تسعى الصين إلى تحويل مصر من مجرد ممر للبضائع إلى قاعدة للانتاج والتجميع والتوزيع نحو افريقيا والشرق الاوسط وأوروبا..
هذا التحول يمكن أن يمنح مصر فرصا صناعية وتكنولوجية مهمة، لكنه يحتاج إلى سياسة مصرية تحافظ على السيادة الوطنية وتمنع تحول المناطق الاقتصادية والموانئ إلى مساحات نفوذ مغلقة لشركات أو قوى خارجية، كما يتطلب نقل التكنولوجيا وتدريب العمالة المصرية وزيادة المكون المحلي وعدم الاكتفاء بتوفير الارض والطاقة والاعفاءات للمستثمرين.
لذلك أكدت القاهرة وبكين في بيانهما المشترك أن أمن البحر الاحمر يجب أن تقوده الدول المطلة عليه وأن تحترم إرادتها وسيادتها، مع تعزيز التعاون لضمان حرية الملاحة واستمرار التجارة الدولية، وهو موقف يمنح مصر دورا مركزيا ويرفض ضمنا فرض ترتيبات أمنية خارجية على البحر الاحمر من دون مشاركة دوله.
باب المندب والامتداد الجنوبي لقناة السويس
لا تستطيع مصر حماية القيمة الاستراتيجية لقناة السويس إذا بقي مضيق باب المندب مهددا، فالممران يشكلان منظومة جغرافية واحدة، وأي تعطيل للملاحة عند المدخل الجنوبي للبحر الاحمر يؤدي مباشرة إلى انخفاض حركة السفن في القناة وتحويلها نحو رأس الرجاء الصالح.
لهذا السبب أصبحت الازمات اليمنية والتوترات في القرن الافريقي والسودان والصومال وإثيوبيا جزءا من الحسابات المصرية الصينية المشتركة، فمصر تريد حماية عائدات القناة ومنع وجود ترتيبات تهدد موقعها في البحر الاحمر، فيما تريد الصين حماية طرق التجارة والطاقة وضمان وصول صادراتها إلى أوروبا.
وتكتسب هذه المسألة بعدا إضافيا بسبب الوجود العسكري الصيني في جيبوتي بالقرب من باب المندب والوجود العسكري الاميركي والفرنسي والياباني في المنطقة نفسها، فالقرن الافريقي لم يعد هامشا بعيدا عن التنافس الدولي، بل أصبح نقطة تماس بين القوى الكبرى.
لكن الصين قد تفضل خلال المرحلة المقبلة الاعتماد على الشراكة مع الدول المحورية مثل مصر والسعودية بدلا من التوسع المباشر في نشر القوات، لأن الشراكات المحلية تمنحها النفوذ بأكلاف سياسية وعسكرية أقل، كما تسمح لها بتقديم نفسها شريكا للاستقرار لا قوة احتلال أو هيمنة.
البحر الاحمر ساحة للتنافس الاميركي الصيني
يكشف الاهتمام الصيني بمصر وقناة السويس والبحر الاحمر أن التنافس مع الولايات المتحدة لم يعد محصورا في بحر الصين الجنوبي أو تايوان أو المحيط الهادئ، بل امتد إلى الممرات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط.
تمتلك الولايات المتحدة تفوقا عسكريا كبيرا وشبكة واسعة من القواعد والشراكات في المنطقة، بينما تعتمد الصين حتى الآن على الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا وتمويل البنى التحتية، إلا أن الفارق بين القوتين بدأ يضيق على المستوى السياسي بعدما تحولت بكين إلى وسيط دبلوماسي وشريك أمني محتمل ومصدر متقدم للتكنولوجيا والسلاح.
وتقدم زيارة شي إلى القاهرة نموذجا لطبيعة المنافسة الجديدة، فالولايات المتحدة تحاول حماية نظام إقليمي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، بينما تحاول الصين التوسع داخله ثم إعادة تشكيله تدريجيا عبر الاستثمار والموانئ والعملات المحلية والتكنولوجيا والشراكات العسكرية المحدودة.
ومن هنا يمكن أن تصبح قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها جزءا من منافسة أوسع على سلاسل التوريد ومراكز البيانات والاتصالات البحرية وأشباه الموصلات والطاقة الخضراء وبناء السفن، أي أن التنافس لن يدور على عبور السفن فقط، بل على من يملك البنية التحتية والمعلومات والتكنولوجيا التي تدير حركة التجارة.
النتائج المتوقعة على العلاقات المصرية الصينية
تدفع الزيارة العلاقات بين البلدين من مستوى الشراكة الاقتصادية الواسعة إلى مستوى التنسيق الاستراتيجي، ومن المتوقع أن تظهر نتائجها في زيادة الاستثمارات الصينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتوسيع التعاون في الذكاء الاصطناعي والاتصالات والطاقة والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات والنقل.
كما يمكن أن تؤدي إلى استخدام أوسع للعملتين المحليتين في التجارة وتجديد ترتيبات مبادلة العملات، بما يقلل جزئيا من الضغط على الدولار داخل الاقتصاد المصري من دون أن يلغي مكانته، وقد اتفق الطرفان بالفعل على توسيع استخدام العملات المحلية وتعميق التعاون المالي.
وعلى المستوى السياسي ستمنح الشراكة الصين بوابة أكبر إلى العالم العربي وافريقيا وشرق المتوسط، في حين تحصل مصر على دعم صيني في ملفات السيادة ووحدة الدولة ورفض التدخل الخارجي، إضافة إلى دعم مواقفها المتعلقة بالقضية الفلسطينية وأمن البحر الاحمر ومياه النيل.
غير أن هذه العلاقة لن تكون خالية من التحديات، فاختلال الميزان التجاري لمصلحة الصين ومخاطر المديونية وحماية الصناعات المحلية ونقل التكنولوجيا والضغوط الاميركية المحتملة كلها عوامل ستختبر قدرة القاهرة على إدارة الشراكة بما يخدم مصالحها الوطنية.
التداعيات الشرق أوسطية
إقليميا تؤكد الزيارة أن الشرق الاوسط لم يعد منطقة نفوذ اميركي حصري، وأن الدول الكبرى في المنطقة باتت ترفض الاختيار النهائي بين واشنطن وبكين، فالسعودية وتركيا وإيران والامارات ومصر تسعى بدرجات مختلفة إلى تنويع علاقاتها وإقامة شراكات متوازية مع القوى الكبرى.
هذا الاتجاه لا يعني خروج الولايات المتحدة من المنطقة، بل يعني تراجع قدرتها على تحديد خيارات حلفائها بصورة منفردة، فالدول الاقليمية أصبحت تمتلك بدائل في الاستثمار والتكنولوجيا والسلاح والطاقة والدعم السياسي.
كما يمكن أن تفتح الزيارة المجال أمام دور صيني أكبر في ملفات غزة والسودان والقرن الافريقي وأمن الممرات البحرية، إلا أن نجاح هذا الدور سيعتمد على استعداد بكين لتحمل التكاليف السياسية والأمنية، فالقوة الاقتصادية وحدها لا تكفي لصناعة نظام إقليمي مستقر.
