
أ.د. ماريز يونس
أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية:
منذ ما يقارب الشهر، ما تزال تداعيات الحلقة التي تناولتُ فيها موضوع “زواج المتعة” ضمن برنامجنا المشترك “اتجاه ثالث” مع الإعلامية ناريمان علوش تتفاعل، وما يزال الجدل يتجدد حول ما طُرح فيها وحول مشروعية تناول الموضوع أصلًا. توالت خلال هذه الفترة ردود وتعليقات ومواقف متعددة، دخل بعضها في صلب الفكرة، فيما انتقل بعضها الآخر إلى الشخص والتخصص والانتماء والحق في الكلام. اخترتُ طوال هذه الأسابيع الابتعاد عن الردود الإعلامية اليومية وعن منطق الأخذ والرد، لأنني أفضل أن يأخذ الاختلاف مساره داخل نقاش معرفي رصين بدل أن ينزلق إلى الانفعال والتجريح والتصنيف. وينسجم هذا الاختيار مع الفكرة التي انطلق منها برنامج “اتجاه ثالث” منذ نحو عامين مع الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية، بوصفه محاولة لفتح مساحة للنقاش خارج الاستقطابات والانقسامات العمودية الحادة التي تخترق مجتمعاتنا، وإتاحة المجال لاتجاهات وأسئلة موجودة فعلًا داخل المجتمع، حتى حين تزعج الوضع السائد أو تقاومها الاتجاهات الأكثر هيمنة بالاتهام أو التخوين أو التهديد.
وأظهر الجدل أن زواج المتعة فتح مساحة أوسع بكثير من صيغة عقد محددة. فقد انتقل النقاش بسرعة من جسد المرأة وعلاقتها بالرجل إلى المقدس، ثم إلى الهوية الطائفية والسياسة، ومنها إلى النسوية والمؤامرة الغربية والأسرة والقيم. غير أن نقطة البداية التي طرحتُها في الحلقة تنطلق من سؤال مشروع وبسيط: “كيف تتوزع العدالة والكلفة داخل هذا النوع من التعاقد؟” فالسؤال الذي انطلقتُ منه سوسيولوجي، يبحث في ما يحدث عندما يدخل عقد مؤقت إلى واقع اجتماعي تتفاوت فيه مواقع الرجل والمرأة أصلًا، وتترتب عليه كلفة جسدية وعاطفية واقتصادية واجتماعية مختلفة.
زواج المتعة والاختلاف البيولوجي: حين يصبح الجسد “شماعة” للتفاوت
أثار طرحي لمسألة العدالة في زواج المتعة اعتراضًا واسعًا من المدافعين عن هذا العقد، وكان الاختلاف البيولوجي أول المبررات التي استُدعيت لتفسير التفاوت بين الرجل والمرأة داخله. تكررت عبارات من قبيل: “شو بدك تساوي حالك بالرجل؟”، “الرجل رجل والمرأة امرأة”، “المرأة بتحمل والرجل ما بيحمل”. تبدأ الحجة هنا من حقيقة جسدية واضحة: المرأة هي التي تحمل. لكن هذه الحقيقة سرعان ما تتوسع لتبرر نظامًا كاملًا من التمييز في الحقوق والقيود؛ فيستطيع الرجل المتزوج، وفق هذه الصيغة في بعض تأويلاتها وممارساتها، أن يدخل في عقود متعة أخرى، فيما تبقى زوجته ملزمة بالحصرية والوفاء. وينشأ سؤالي عن العدالة تحديدًا عند هذه النقطة. فالمسألة ليست مطالبة المرأة بأن “تتعدد مثل الرجل” حتى تتحقق المساواة، بل مساءلة التفاوت الذي يجعل طرفًا قادرًا على توسيع علاقاته بينما يتحمل الطرف الآخر آثار هذا التوسع ويلتزم بالحصرية والوفاء في الوقت نفسه. هنا تتحول إمكانية الحمل من اختلاف بيولوجي محدد إلى أساس لتوزيع مختلف للحرية والكلفة والالتزام.
ويزداد هذا التفاوت وضوحًا عندما ننظر إلى الحمل نفسه. يحدث الحمل في جسد المرأة، لكنه ينتج عن علاقة يشارك فيها الرجل والمرأة معًا، بينما تتحمل المرأة وحدها تقريبًا القيود الاجتماعية والأخلاقية التي تُبنى على إمكانية حدوثه. يحمل جسدها إذن عبئًا يتجاوز البيولوجيا؛ فيصبح سببًا لمطالبتها بالوفاء والحصرية والانضباط، فيما تتيح البنية للرجل مساحة أوسع للحركة. وهنا يتحول الجسد إلى قدر اجتماعي؛ تُبنى على حقيقة بيولوجية محدودة منظومة من القواعد تحدد من يملك الحرية ومن يتحمل آثارها. وتكمن الاشكالية في هذه النقلة بالذات، لأن ما يظهر كنتيجة طبيعية لاختلاف الجسد، يحمل في داخله تاريخًا من تنظيم علاقة الرجل بالمرأة، ومن توزيع مختلف للسلطة والحقوق بينهما.
ولا تتوقف الكلفة عند الحمل أو النسب. فالمرأة التي يدخل زوجها في علاقات متعة إضافية تبقى متلقية لآثار هذه العلاقات على حياتها العاطفية والأسرية وعلى إحساسها بالأمان والكرامة والحصرية داخل الزواج. تكشف المشاعر الإنسانية هنا حدود التبرير البيولوجي. تشعر المرأة بالغيرة والخوف من فقدان الشريك والألم الناتج عن دخوله في علاقة أخرى، تمامًا كما يستطيع الرجل أن يشعر بها عندما تدخل امرأة يرتبط بها في علاقة مع رجل آخر. وتكشف مجتمعاتنا نفسها مقدار القوة التي تمنحها للحصرية حين تصل غيرة بعض الرجال باسم الشرف إلى العنف الشديد تجاه المرأة. لذلك تبرز مفارقة تستحق السؤال: كيف نعترف للرجل بأن خرق الحصرية قادر على إصابته في كرامته ومشاعره إلى هذه الدرجة، ثم نطلب من المرأة أن تتجاوز المشاعر الإنسانية نفسها لأن العلاقة الأخرى لزوجها تحمل مشروعية دينية؟ يستطيع التشريع أن يمنح العقد شرعيته داخل منظومة الاعتقاد، لكنه لا يعيد تشكيل المشاعر البشرية بمجرد منح الفعل حكمًا دينيًا. ومن هنا يدخل تفكك الأسرة نفسه في سؤال الكلفة؛ فقد تجد المرأة نفسها أمام خيار استيعاب علاقة تؤذيها أو مغادرة زواجها، ثم تتحمل تبعات الرحيل والأسرة والأطفال، بينما يبقى التفاوت الذي وضعها أمام هذا الخيار خارج النقاش.
ويضع التطور الطبي والاجتماعي الحجة البيولوجية أمام سؤال أكثر عمقًا. تستطيع المرأة اليوم تجميد بويضاتها وتأجيل الإنجاب، وتتغير أعمار الزواج والأمومة، وتصل نساء إلى مراحل عمرية تنتفي فيها القدرة الطبيعية على الحمل. كما تختار أخريات أصلًا عدم الإنجاب، فيما تعيد تقنيات الخصوبة والإنجاب المساعد تشكيل العلاقة التقليدية بين الجسد والجنس والحمل. ماذا يحدث إذن للحجة التي بنت تفاوتًا واسعًا على عبارة “المرأة تحمل” عندما تنتفي إمكانية الحمل أو تصبح المرأة أكثر قدرة على التحكم بتوقيته؟ هل تزول معها القيود التي جرى تبريرها بالحمل؟ إذا استمرت الحصرية والرقابة الأخلاقية والتفاوت نفسه تجاه امرأة تجاوزت سن الإنجاب أو تستطيع التحكم بخصوبتها، يصبح واضحًا أن الحمل لا يقدم تفسيرًا كافيًا، وأن البيولوجيا أدت دور الشمّاعة التي عُلقت عليها قواعد اجتماعية أوسع تتعلق بمن يملك جسد المرأة وبالحدود التي يرسمها المجتمع لحريتها.
ولهذا لا يتعلق سؤال العدالة في زواج المتعة بإنكار الاختلاف البيولوجي بين الرجل والمرأة، بقدر ما يرتبط برفض تحويله إلى إجابة جاهزة عن كل تفاوت بينهما. فالاختلاف حقيقة، أما مقدار السلطة والحرية والالتزام والكلفة الذي نبنيه فوق هذه الحقيقة فهو شأن اجتماعي وتاريخي قابل للمساءلة. وحين يصبح مجرد امتلاك المرأة لجسد قادر على الحمل سببًا لمنح الرجل حقوقًا أوسع وإلزامها بحصرية أكبر وتحميلها نتائج اختياراته العاطفية والأسرية، فإننا نغادر البيولوجيا إلى منظومة اجتماعية كاملة تستخدم البيولوجيا لإضفاء مظهر طبيعي على التفاوت.
المؤقت والهشاشة: حين تدخل العلاقة في اقتصاد الجسد
يفتح زواج المتعة سؤالًا آخر يتعلق بطبيعة “المؤقت” نفسه، وخصوصًا بالنسبة إلى المرأة المطلقة أو الأرملة أو من تعيش في ظروف اقتصادية هشة. تختلف وضعية رجل يمتلك حياته الأسرية أو الاقتصادية ويدخل عقدًا مؤقتًا عن وضعية امرأة قد تبحث أصلًا عن استقرار أو حماية أو مورد. يصبح التعاقد هنا متساويًا في الشكل، بينما قد تختلف قدرة الطرفين على التفاوض جذريًا. فالقبول القانوني أو الشكلي بالعقد لا يكشف وحده عن مقدار الحرية الحقيقية التي امتلكتها المرأة لحظة القبول، لأن الخيارات تتأثر بالموقع الاقتصادي والعمر والوضع الأسري والحاجة.
ويزداد السؤال حساسية عندما يدخل المهر في عقد يتكرر مع تكرار العلاقات المؤقتة. يحمل المهر في الزواج الدائم معنى يدخل عادة ضمن تأسيس علاقة يُفترض أن تتجه نحو الاستقرار، بينما يأخذ المقابل المالي داخل سلسلة من العقود القصيرة معنى اجتماعيًا مختلفًا، خصوصًا حين ترتبط مدة العقد بجسد المرأة وتنتهي العلاقة بانتهاء الأجل. هنا يدخل الجسد بصورة أوضح في المجال الاقتصادي، ويصبح السؤال حول الحدود الفاصلة بين الاختيار والحاجة أكثر إلحاحًا. لا تكفي عبارة “هي وافقت” لإغلاق النقاش الاجتماعي، فالسؤال يستمر عن الشروط التي صُنعت داخلها هذه الموافقة: ما البدائل المتاحة؟ ما موقع المرأة الاقتصادي؟ ما مسؤولياتها تجاه أطفالها؟ وما مقدار التفاوت في القدرة على رفض العقد أصلًا؟
الطفل والوصمة: حين يعترف التشريع بما لا يعترف به المجتمع
وتظهر كلفة العقد المؤقت بصورة أشد حين ينتج عنه طفل. فالمشروعية الدينية تستطيع أن تثبت النسب والحقوق وفق القواعد المعتمدة، لكن المجتمع يتحرك بمنطق أكثر تعقيدًا. ما زالت مفاهيم الشرف والعائلة وسمعة المرأة متجذرة في التنشئة والقيم الاجتماعية، وما زال جسد المرأة يُعامل في كثير من البيئات بوصفه حاملًا لشرف الجماعة. ولذلك تظهر فجوة بين الحل التشريعي وبين القبول الاجتماعي. قد يعترف الحكم الديني بالعقد وبالطفل، بينما تستمر الوصمة الاجتماعية تجاه المرأة وتصل آثارها إلى الطفل نفسه.
وتكشف هذه المفارقة مقدار استقلال الثقافة الاجتماعية عن التشريع. فالرجل الذي يعتبر علاقة أخته أو ابنته خارج النموذج الزوجي الدائم مساسًا بشرفه، وقد يصل بعض الرجال في مجتمعاتنا إلى ممارسة العنف باسم هذا الشرف، لا تتبدل منظومته النفسية والثقافية تلقائيًا بمجرد القول إن شكلًا محددًا من العلاقة مشروع. تحتاج قيم الشرف إلى تحولات اجتماعية وتربوية عميقة، لأنها تشكلت عبر تاريخ طويل من ربط جسد المرأة بسمعة العائلة والجماعة. وهنا يصبح السؤال شديد الواقعية: ما الكلفة التي تتحملها المرأة والطفل عندما يحل التشريع إشكالية العقد، بينما يبقى المجتمع عاجزًا عن حل الوصمة التي أنتجها حول الجسد والعلاقات؟
تهمة النسوية: حين يتحول السؤال إلى تشكيك بصاحبته
أثار هذا النوع من الأسئلة ردًا متكررًا تمثل في وصف الطرح بأنه “نسوي”، واكتسبت الكلمة في بعض التعليقات معنى التهمة أكثر مما حملت معنى توصيف اتجاه فكري. يكفي عندها تصنيف صاحبة السؤال بأنها نسوية حتى يتحول اهتمامها بالعدالة إلى دليل على الانحياز، ويبدأ النقاش في دوافعها بدل مضمون ما تطرح. تعمل التهمة هنا على اختزال الباحثة في هويتها، وكأن اهتمام المرأة بقضايا النساء يسحب منها أهلية النظر إليها علميًا. ويكشف هذا الاستخدام مفارقة معرفية مهمة. فطرح سؤال عن تفاوت في الحقوق والكلفة لا يصبح أقل واقعية لأن نسوية طرحته، كما أن الدفاع عن النظام القائم لا يصبح محايدًا لأنه يرفض تسمية نفسه. تنبع مشروعية السؤال من وجود التفاوت نفسه. وإذا كانت المرأة تتحمل كلفة اجتماعية واقتصادية وعاطفية مختلفة داخل العلاقة، فإن هذه الكلفة تستحق الفحص سواء تناولتها النسوية أو علم الاجتماع أو القانون.
المؤامرة الغربية: حين تختفي مشكلات الداخل خلف هوية الخطاب
انتقلت تهمة النسوية سريعًا إلى اتهام أوسع بمؤامرة غربية تستهدف القيم والأسرة. ويعكس هذا الخطاب ترتيب المشكلة، كأن مجتمعاتنا كانت تعيش أصلًا عدالة كاملة تجاه النساء ثم جاءت النسوية لتزرع الصراع. بينما تكشف الوقائع عن خصوصية أخرى تنخر بمجتمعاتنا، فما تزال جرائم الشرف والعنف الأسري والتمييز والحرمان والتهميش والرقابة على جسد المرأة جزءًا من واقعنا الاجتماعي ومن “خصوصيتنا”. وهذه أيضًا من منتجات تاريخنا ومؤسساتنا وقيمنا، وليست ظواهر استوردتها النسوية.
وتصبح الخصوصية مشكلة حين تُستخدم لإضفاء شرعية ثقافية على التفاوت. فاحترام المجتمع لا يعني تحويل كل ما ورثه إلى قيمة تستعصي على السؤال. وإذا نشأ العنف داخل ثقافتنا، فإن محليته تزيد حاجتنا إلى فهمه بدل أن تمنحه حصانة. لذلك تصبح شيطنة النسوية وسيلة لتحويل النظر من واقع المرأة إلى هوية من يصف هذا الواقع. ويحل السؤال عن “الغرب” محل سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا نفعل بما تنتجه بنيتنا الثقافية نحن بحق النساء؟
الأسرة والإباحية: حين يُختزل سؤال العدالة في تهمة أخلاقية
ارتبط الحديث عن حرية المرأة في بعض الردود بالإباحية وتفكك الأسرة، مع أن السؤال الذي طُرح يتعلق أصلًا بالعدالة داخل العلاقة الأسرية. ويحول هذا الربط المرأة التي تطالب بفحص الكلفة إلى تهديد للأسرة، بينما يضع التفاوت نفسه خارج المساءلة. لكن الأسرة لا تُحمى بمجرد استمرار شكلها، إنما بنوعية العلاقة التي يعيشها أفرادها وبمقدار الأمان والكرامة والوفاء الذي يشعرون به داخلها.
ويصبح أثر هذا التفاوت أكثر وضوحًا داخل الزواج الدائم حين يدخل الرجل في علاقات متعة مؤقتة بينما تبقى زوجته مطالبة بالحصرية والوفاء. وقد تنتج عن ذلك مشاعر ألم وفقدان للأمان وصراع يهدد استقرار العلاقة نفسها، فتتحمل المرأة أحيانًا تبعات وضع لم تكن شريكة في إنتاج شروطه. وعندما يُحمَّل تفكك الأسرة لعدم قدرتها على تقبل هذه العلاقة، يجري نقل المسؤولية من بنية التفاوت نفسها إلى رد فعل المرأة عليها. وبهذا يحمي خطاب “تهديد الأسرة” أحيانًا الشكل المؤسسي للعلاقة، بينما يحجب الأسباب التي جعلتها أكثر هشاشة من الداخل.
“هذا شرع الله”: حين تتحول المسألة الاجتماعية إلى حصانة دينية
أثار الجدل أيضًا ردًا يرى أن دخول التشريع الديني يكفي لإنهاء سؤال العدالة. وهنا تتمايز زاويتان تحتاجان إلى قدر من الوضوح. يبحث الفقه في الحكم ومصادره وشروطه، بينما يدرس علم الاجتماع ما يحدث بعد أن تتحول القاعدة إلى ممارسة يعيشها البشر. يدخل النص إلى المجتمع عبر التأويل والمؤسسة والثقافة، ثم ينتج آثارًا في العلاقات والحقوق والمشاعر والوصمة. لذلك يستطيع الباحث الاجتماعي أن يدرس هذه النتائج من دون أن يصدر حكمًا عقائديًا على النص.
وتظهر الإشكالية عندما تنتقل قداسة المرجعية إلى كل نتيجة اجتماعية ترتبط بها، فيصبح نقد الكلفة كأنه نقد للدين نفسه. عندها تتوقف المساءلة عند اللحظة التي تبدأ فيها آثار الممارسة على حياة الناس. وهذا تحديدًا ما يبرر الحاجة إلى الحوار بين المعرفة الدينية والاجتماعية، لأن التشريع يستطيع معالجة المشروعية، بينما تبقى النتائج الاجتماعية مفتوحة على التاريخ والثقافة وموازين القوة.
حين يصبح جسد المرأة قضية سياسية وطائفية
فاجأني أن ينتقل الجدل إلى اتهام الطرح باستهداف الطائفة الشيعية، خصوصًا أنني وضعت منذ بداية الحلقة “زواج المتعة” و”زواج المسيار” داخل إطار تحليلي واحد يتعلق بأشكال من التعاقد بين الرجل والمرأة غير النمطية تقوم على شروط وقواعد تميزها عن الزواج الدائم. انصب النقاش على طبيعة هذه التعاقدات وعلى تفاوت مواقع أطرافها، وعلى الكلفة التي قد تتحملها المرأة حين يدخل الجسد والحاجة والوضع الاقتصادي والبحث عن الاستقرار في علاقة محددة المدة أو محكومة بشروط تجعل موقع الرجل مختلفًا عن موقع المرأة. بهذا المعنى، شكل زواج المتعة نموذجًا داخل قضية اجتماعية أوسع تتعلق بالتعاقد المؤقت وعدالة شروطه ونتائجه، كما دخل المسيار في النقاش من الزاوية نفسها. ومع ذلك أُخرج زواج المتعة في جانب من الردود من هذا السياق بالكامل، وأعيد تعريفه بوصفه رمزًا لطائفة وجماعة سياسية، حتى ذهب بعضهم إلى قراءة توقيت الحلقة نفسه باعتباره جزءًا من “حملة على الشيعة”.
ويكشف هذا التحول كيف تستطيع الهوية السياسية والطائفية أن تستولي على السؤال الاجتماعي وتعيد طرحه بلغتها. فبدل مناقشة ما إذا كانت العقود المؤقتة أو المشروطة تنتج تفاوتًا في الكلفة والقدرة على التفاوض، أصبح السؤال يدور حول الجهة المقصودة بالطرح والغاية من “استهداف” زواج المتعة تحديدًا. واختفى من هذه القراءة أن الحلقة ناقشت أكثر من صيغة وأن المعيار الذي جمع بينها كان اجتماعيًا يتعلق بالتعاقد “المؤقت” والكلفة، لا بالهوية المذهبية لمن يجيز هذه الصيغة أو تلك. فسرعان ما تحولت الممارسة الاجتماعية من ظاهرة قابلة للفحص إلى علامة على الجماعة، فيُقرأ نقدها كأنه نقد للجماعة نفسها، وتُضاف إلى حصانتها الدينية حصانة سياسية تجعل مساءلتها اختبارًا للولاء. ومن هذه النقطة تحديدًا تدخل تهمة المؤامرة، فيبدأ الخطاب بالبحث عمن يقف وراء السؤال وعن توقيته ومصلحته السياسية، بينما يتراجع السؤال الذي بدأت منه الحلقة أصلًا حول المرأة وموقعها وعدالة الكلفة التي تتحملها داخل هذا النوع من التعاقد.
الجنس والدين والسياسة: الثالوث الذي كشفه زواج المتعة.
بدأت الحلقة من سؤال يتعلق بكلفة عقد مؤقت على المرأة، لكنها كشفت سريعًا ثالوثًا يفسر جانبًا واسعًا من حساسية الجدل في مجتمعاتنا: “الجنس والدين والسياسة”. أدخل الجنس جسد المرأة والحمل والشرف والوفاء. وأدخل الدين المقدس وشرعية العقد وحدود السؤال. ثم أدخلت السياسة الطائفة والهوية والاستهداف والمؤامرة. وعندما اجتمعت هذه المستويات، صار من السهل أن يضيع السؤال الأصلي خلف طبقات من الدفاع الأخلاقي والديني والسياسي.
ولهذا يبقى السؤال الذي يفرضه زواج المتعة أبعد من العقد نفسه: كيف يستطيع مجتمع أن يناقش عدالة ما ينظمه حول جسد المرأة إذا كان ثالوث “الجنس والدين والسياسة” يلتقي في كل مرة لتحويل السؤال عن الت
مييز والعدالة إلى سؤال عن الولاء والهوية؟
