تمتلك مدغشقر ثروة ذهبية كبيرة، لكن جزءًا مهمًا من إنتاجها لا يزال خارج القنوات الرسمية، في وقت تسعى فيه السلطات إلى إعادة تنظيم قطاع التعدين الحرفي، والحد من التهريب، وزيادة حيازات البنك المركزي من الذهب باعتباره أحد مكونات الاحتياطيات الدولية.
ويكشف حجم التعدين الحرفي والصغير للذهب عن أهمية القطاع للاقتصاد والمجتمع؛ إذ يوفر فرص عمل مباشرة لنحو 600 ألف شخص، بينهم حوالي 37% من النساء، إضافة إلى نحو 2.5 مليون فرصة عمل غير مباشرة. وينشط هذا القطاع في 388 بلدية من أصل 1,670 بلدية في البلاد، فيما يقدر إنتاجه السنوي بنحو 14 طنًا من الذهب.
غير أن هذا النشاط يرتبط بتحديات بيئية وصحية كبيرة. ويقدر استخدام الزئبق في التعدين الحرفي للذهب بنحو 18 طنًا سنويًا، بينما تسهم أساليب التعدين غير المنظمة في إزالة الغابات وتدهور الأراضي وتدمير الأراضي الرطبة والإضرار بالتنوع البيولوجي. كما أن الطابع غير الرسمي للقطاع يجعل مراقبة الإنتاج وتطبيق القوانين وتتبع الذهب أكثر صعوبة.
وفي محاولة لإدخال جزء أكبر من الإنتاج إلى الاقتصاد الرسمي، أعلن البنك المركزي في مدغشقر إنشاء أربع نقاط لتجميع الذهب في مناطق ذات إمكانات إنتاجية مرتفعة، هي أمبيلوب، ومايفاتانانا، ومياندريفازو، ومانانجاري. ومن المنتظر أن تتيح هذه المراكز للبنك شراء الذهب مباشرة من المنتجين المحليين، مع تحسين عملية التحقق من الجودة وتتبع مصدر المعدن.
وتأتي الخطوة في إطار توجه أوسع لتعزيز احتياطيات البلاد من الذهب. ويحتفظ البنك المركزي حاليًا بنحو طن واحد من الذهب، بينما يستهدف زيادة حصة المعدن النفيس في الاحتياطيات الدولية، في وقت تتجه فيه بنوك مركزية حول العالم إلى زيادة مشترياتها من الذهب لتنويع أصولها وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية.
لكن حجم المشكلة يظهر بصورة أوضح عند مقارنة الإنتاج المحتمل بالتجارة الرسمية. فقد جرى تصدير 13 كيلوغرامًا فقط من الذهب عبر القناة الرسمية خلال الفترة المشار إليها، في حين قدرت وزارة المناجم حجم الذهب الذي يخرج بصورة غير قانونية بنحو طن شهريًا في عام 2024. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن الفجوة بين الذهب المنتج والذهب الذي يمر عبر النظام الرسمي تكشف حجم الخسائر المحتملة في الإيرادات والرقابة الاقتصادية.
ولا تقتصر ظاهرة التعدين غير الرسمي على مدغشقر. ففي غرب أفريقيا، تعتمد ملايين الأسر على التعدين الحرفي، بينما تحاول دول مثل مالي وبوركينا فاسو زيادة سيطرتها على قطاع الذهب وإعادة التفاوض على شروط عمل الشركات الأجنبية. وفي المقابل، يتسبب التعدين التقليدي في حوادث انهيار المناجم، إضافة إلى التلوث واستخدام الزئبق.
وتحاول مدغشقر معالجة المشكلة من زاوية مختلفة عبر إضفاء الطابع الرسمي على التعدين الحرفي، وتسهيل حصول العاملين فيه على التمويل والأسواق، وتشجيع استخدام تقنيات خالية من الزئبق. ويستهدف مشروع planetGOLD Madagascar الوصول إلى أكثر من 18 ألف شخص وخفض استخدام الزئبق بنحو 5 أطنان خلال خمس سنوات.
وهكذا تتحول قضية الذهب في مدغشقر إلى اختبار اقتصادي يتجاوز استخراج المعدن نفسه: هل تستطيع الدولة تحويل ثروة تُنتج في المناجم وتخرج عبر قنوات غير رسمية إلى احتياطي رسمي، وإيرادات عامة، وفرص عمل أكثر أمانًا، مع تقليل الكلفة البيئية والصحية؟
