د.محمد سليمان فايد:فتحت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري مسارًا جديدًا في الجدل الدولي حول التعويضات عن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، بعدما أكدت أن الدول الأطراف في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري مطالبة باتخاذ تدابير شاملة لجبر الأضرار التي لحقت بالأشخاص المنحدرين من أصول أفريقية، ومعالجة آثار العبودية والتمييز العنصري التي ما تزال ممتدة إلى الحاضر.
وتكتسب توصيات اللجنة أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من سؤال المسؤولية التاريخية عن جرائم وقعت قبل قرون إلى الالتزامات القانونية القائمة اليوم. فبحسب التفسير الذي أقرته اللجنة، لا يتوقف واجب الدول على ما إذا كانت تجارة الرقيق والعبودية محظورتين بموجب القانون الدولي في زمن وقوعهما، وإنما يرتبط بالتزامات الدول الحالية بموجب اتفاقية مكافحة التمييز العنصري، وبضرورة معالجة أوجه عدم المساواة الهيكلية المستمرة.
وتشير تقديرات تاريخية إلى أن نحو 12.5 مليون إفريقي اقتُلعوا من القارة ونُقلوا عبر المحيط الأطلسي خلال فترة تجارة الرقيق، بينما وصل نحو 10.7 ملايين منهم إلى الأميركتين بعد الرحلة القسرية، وفق قاعدة بيانات تجارة الرقيق عبر الأطلسي التابعة لجامعة إيموري. ولا تعكس هذه الأرقام حجم الخسائر البشرية بالكامل، إذ فقد آلاف آخرون حياتهم خلال عمليات الأسر والنقل إلى السواحل أو أثناء الرحلات البحرية.
ولم تكن تجارة الرقيق مجرد عملية نقل قسري للبشر، بل منظومة اقتصادية واسعة ارتبطت بالزراعة والتجارة والتمويل والموانئ في أوروبا والأميركتين. وتقدر قاعدة البيانات نفسها أن السفن نفذت أكثر من 36 ألف رحلة مرتبطة بالتجارة عبر الأطلسي، في واحدة من أوسع شبكات الاتجار بالبشر في التاريخ الحديث.
وتطالب لجنة القضاء على التمييز العنصري بأن تتجاوز العدالة التعويضية مفهوم التعويض المالي المباشر. فالوثيقة تدعو إلى حزمة واسعة من الإجراءات المالية وغير المالية والإصلاحات الهيكلية، بينها الاعتراف الرسمي، وإتاحة الأرشيفات، ومراجعة النصب والرموز التذكارية، وإنشاء آليات مستقلة لتقصي الحقائق، وضمان وصول الأشخاص المنحدرين من أصول أفريقية إلى سبل انتصاف فعالة أمام المؤسسات والمحاكم الوطنية.
وقالت بيلا بوكر ويلسون، الخبيرة الليبيرية في اللجنة والمشاركة في صياغة الوثيقة، إن مواجهة إرث العبودية لا يمكن فصلها عن مكافحة التمييز العنصري في الوقت الراهن، داعية الدول إلى اتخاذ إجراءات ملموسة بدل الاكتفاء بالتعبير عن الأسف.
غير أن التطور الأممي لا يعني صدور حكم قضائي يلزم كل دولة تلقائيًا بدفع مبالغ محددة. فاللجنة هيئة خبراء مستقلة تراقب تنفيذ الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وتفسيراتها وتوصياتها لا تُعد أحكامًا قضائية واجبة التنفيذ بذاتها. إلا أن الوثيقة يمكن أن تمنح المطالبات السياسية والقانونية سندًا تفسيريًا جديدًا، خصوصًا في الدول التي صدقت على الاتفاقية.
وتعود جذور الجدل إلى عقود من المطالبات التي تصاعدت في الولايات المتحدة ودول الكاريبي وإفريقيا وأوروبا، فيما اتخذت بعض الحكومات موقفًا رافضًا يقوم على أن الأفعال التاريخية لا يمكن إخضاعها بصورة رجعية للقانون الدولي المعاصر.
لكن لجنة الأمم المتحدة تقترح زاوية مختلفة: فحتى إذا تعذر تأسيس المسؤولية على القانون الذي كان قائمًا وقت وقوع الجريمة، فإن استمرار آثار التمييز وعدم المساواة يمكن أن يخضع للالتزامات القانونية الراهنة.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد النقاش الدولي حول العدالة التاريخية. وفي عام 2021، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بإحياء اليوم الدولي لتذكر تجارة الرقيق وإلغائها في 31 أغسطس من كل عام، في محاولة لإبقاء ذاكرة ملايين الضحايا حاضرة في النقاش العالمي حول العنصرية والتمييز.
وهكذا تعيد الوثيقة الأممية صياغة السؤال من جديد: هل ينبغي النظر إلى التعويضات باعتبارها فاتورة عن جريمة عمرها قرون، أم باعتبارها جزءًا من معالجة عدم مساواة ما زالت مظاهرها حاضرة؟ بالنسبة إلى لجنة القضاء على التمييز العنصري، فإن الإجابة ترتبط بالحاضر أكثر مما ترتبط بالماضي؛ فالإرث التاريخي، عندما يستمر في إنتاج التمييز وعدم المساواة، يتحول إلى قضية حقوقية قائمة تستوجب المعالجة.
