د.محمد سليمان فايد: بمشهد يعكس عمق العلاقات بين القاهرة وبكين، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الثلاثاء، الرئيس الصيني شي جين بينج في مستهل زيارة رسمية إلى مصر، هي الأولى له منذ عام 2016، وتتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وازدانت شوارع القاهرة والجيزة بالأعلام المصرية والصينية، فيما شارك أطفال وشباب مصريون وصينيون في مراسم استقبال الرئيس الضيف بمطار القاهرة، في مشهد يعكس الطابع الاستثنائي للزيارة، وما تحمله العلاقات بين البلدين من رصيد سياسي وشعبي امتد على مدار سبعة عقود.
لكن زيارة شي جين بينج لا تستعيد التاريخ فقط؛ فهي تأتي في توقيت تبحث فيه القاهرة وبكين عن مرحلة جديدة من الشراكة، عنوانها الأبرز التجارة والاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا، إلى جانب التنسيق السياسي بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
بدأت العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين في 30 مايو 1956، وكانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وعلى مدار العقود التالية، حافظ البلدان على علاقات سياسية مستقرة، قبل أن ترتقي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، فيما أصبحت مصر أحد المحاور المهمة لمبادرة الحزام والطريق بحكم موقعها الاستراتيجي عند قناة السويس.
تجارة تتجاوز 20 مليار دولار
وتكشف أحدث الأرقام عن اتساع كبير في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فقد بلغ حجم التجارة المصرية الصينية نحو 20.78 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بنحو 17.37 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 20%.
واستمر النمو خلال 2026، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 11.3 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، مقابل 9.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت نحو 21.5%.
وتتصدر الصين قائمة كبار الموردين للسوق المصرية، إذ بلغت الواردات المصرية منها نحو 10.4 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، بزيادة سنوية بلغت 14.3%.
وفي المقابل، سجلت الصادرات المصرية إلى الصين قفزة لافتة، بعدما ارتفعت إلى نحو 840.8 مليون دولار خلال النصف الأول من العام، مقابل 280.5 مليون دولار في الفترة نفسها من 2025، بنمو يقارب 200%.
وتكشف تفاصيل التجارة عن طبيعة العلاقة الاقتصادية بين البلدين. فقد تصدرت الآلات والأجهزة الكهربائية والميكانيكية واردات مصر من الصين بقيمة نحو 4.1 مليار دولار، تلتها السيارات والجرارات والدراجات بنحو 1.2 مليار دولار، ثم الحديد والصلب ومصنوعاته بنحو 930.7 مليون دولار.
وفي المقابل، تصدر الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات التقطير الصادرات المصرية إلى الصين بقيمة نحو 494 مليون دولار، تلتها الخضروات والفواكه بنحو 150.6 مليون دولار، ثم القطن والألياف النسيجية النباتية بنحو 76.4 مليون دولار.
ورغم القفزة الكبيرة في الصادرات المصرية، فإن الميزان التجاري لا يزال يميل بقوة إلى الجانب الصيني، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات أمام القاهرة. فالفارق بين واردات مصر من الصين وصادراتها إليها خلال النصف الأول من 2026 يقترب من 9.6 مليار دولار.
ولهذا تسعى مصر إلى زيادة صادراتها إلى السوق الصينية، مستهدفة الوصول بها إلى نحو 1.5 مليار دولار بنهاية 2026، ثم إلى ما بين 2 و2.5 مليار دولار خلال 2027.
من التجارة إلى الاستثمار
ولا تقتصر الشراكة المصرية الصينية على حركة السلع، إذ يتزايد الحضور الصيني في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية.
وتُقدر الاستثمارات الصينية الحالية في مصر بنحو 10 مليارات دولار، فيما بلغ عدد الشركات الصينية العاملة في السوق المصرية نحو 3971 شركة حتى نهاية يونيو 2026، بينها 357 شركة تأسست خلال النصف الأول من العام.
وتتركز نسبة كبيرة من النشاط الصيني في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ولا سيما منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا» في العين السخنة، التي تحولت إلى مركز رئيسي للصناعة الصينية في مصر، مع مشروعات في قطاعات التصنيع والطاقة المتجددة واللوجستيات ومكونات السيارات.
وتشمل المشروعات الجديدة مجمعًا لإنتاج الألومنيوم باستثمارات مستهدفة تبلغ نحو ملياري دولار، ومدينة صناعية نسيجية متكاملة في بورسعيد باستثمارات تصل إلى ملياري دولار، ومصنعًا للإطارات في الإسكندرية باستثمارات تبلغ 550 مليون دولار.
كما امتد التعاون إلى مشروعات النقل والبنية التحتية، ومن بينها تمويل صيني ميسر بقيمة 200 مليون دولار لاستكمال المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف، بما يعكس اتساع مجالات التعاون من التجارة إلى مشروعات التنمية الكبرى.
شراكة سياسية تتجاوز الاقتصاد
إذا كانت الأرقام الاقتصادية تمنح العلاقات المصرية الصينية وزنها المتزايد، فإن البعد السياسي يمثل أحد أكثر عناصرها استقرارًا.
فالقاهرة وبكين تتعاونان في الأمم المتحدة ومجموعة «بريكس» ومنتدى التعاون الصيني العربي ومنتدى التعاون الصيني الإفريقي، وتلتقيان في التأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
وتؤكد مصر باستمرار التزامها بمبدأ «الصين الواحدة»، بينما تتبنى بكين مواقف داعمة للرؤية المصرية تجاه عدد من قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بما يعكس مستوى من التفاهم السياسي يتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة.
وبعد سبعة عقود من العلاقات، تدخل مصر والصين مرحلة جديدة لا يكفي فيها الاحتفاء بتاريخ الصداقة. فالأرقام تضع أمام البلدين فرصة وتحديًا في الوقت نفسه: تجارة تتجاوز 20 مليار دولار سنويًا، واستثمارات صينية ضخمة، وصادرات مصرية بدأت تحقق قفزة لافتة، لكنها لا تزال أقل بكثير من حجم الواردات.
ومن هنا تكتسب زيارة شي جين بينج إلى القاهرة أهميتها الحقيقية؛ فهي لا تضيف فصلًا جديدًا إلى تاريخ العلاقات المصرية الصينية فحسب، وإنما تفتح الباب أمام معادلة أكثر طموحًا: صين تستثمر وتنتج في مصر، ومصر تصدّر أكثر إلى الصين، وشراكة اقتصادية أكثر توازنًا تمتد من قناة السويس إلى إفريقيا والأسواق العالمية.
