أيمن مرابط:ككل انتخابات تشريعية يشهدها المغرب، تبرز في المشهد شبيبة الأحزاب السياسية، حيث تسعى هذه الأخيرة “الأحزاب” لجذب الشباب إلى صفوفها، إما بوعود انتخابية أو إعطاءهم مساحات واسعة للتواصل والمشاركة في الشأن السياسي وإبراز كفاءاتهم.
تعدّ الأحزاب السياسية صلة وصل بين الدولة والمجتمع، ودورها الرئيسي هو التأطير الاجتماعي والسياسي وخلق نقاش مجتمعي وعمومي، يُمكّن من صنع سياسات وإنتاج حلول للمشاكل والتحديات، ويُعوّل على الشباب في هذا الشأن أكثر من أي فئة أخرى، عبر انخراطهم وطرح أفكارهم وتصوراتهم. لكن واقع الحال، يكشف عن عزوف سياسي كبير لدى الشباب، وعن أرقام ضئيلة حول المشاركة السياسية سواء داخل الأحزاب أو خارجها لفئة الشباب بالمغرب.
قبل انتخابات 2021، كانت فئة الشباب تتمتع بتمثيلية قانونية “كوطا” تسمح بحصول شباب الأحزاب السياسية على ثلاثين مقعدا داخل البرلمان، ما سمح بصعود وجوه جديدة إلى الساحة السياسية ما كانت لتظهر لولا تمتّعها بهذا الحق، بيد أن ممارسته مع الوقت، تحوّلت وفق كثيرين إلى محسوبيات وحصول بعض الأسماء على تزكيات خارج نطاق الأخلاقيات السياسية، وبعد جدل وأخذ وردّ، تم إلغاء “تمثيلية الشباب” سنة 2021.
الشبيبة.. مصنع للنخب وأدوار محدودة
ويرى مراقبون للانتخابات المزمع تنظيمها في أواخر هذا الشهر، أن حضور الشباب يرتبط بمدى الأدوار والمساحة التي ستُعطى لهم من قبل الأحزاب السياسية.
“لا يمكن الحديث عن دور الشبيبة الحزبية في المنظومة السياسية المغربية، خصوصاً خلال الانتخابات، من دون طرح سؤال أسبق: هل تجري المنافسة الانتخابية فعلاً داخل فضاء حزبي صرف؟” يقول الصحفي والباحث في العلوم السياسية سعيد بركنان، مُلفتا أن “السلوك الانتخابي في المغرب تظل محدداته متعددة، من شخص المرشح إلى حضور الأعيان، والعلاقات العائلية والاجتماعية، وشبكات النفوذ والمصالح المحلية”.

يُعرّف بركنان في حديثه للوكالة العربية الإفريقية للأنباء أن “الشبيبة الحزبية، نظرياً، تمثل مدرسة لإنتاج النخب السياسية الجديدة وبناء الامتداد المجتمعي للحزب”، مشيرا إلى مفارقة يكشفها الواقع هي أن “ثمة أحزاب تمتلك حضوراً قوياً داخل المؤسسات المنتخبة، لكنها تفتقر إلى هياكل تنظيمية وشبيبات فاعلة على الأرض؛ وفي المقابل، أحزاب تتوفر على تنظيمات قوية وتاريخية، لكنها لا تنعكس قوتها التنظيمية بالضرورة على مستوى التمثيلية البرلمانية أو المحلية والجهوية.”
تاريخ عريق من التأسيس والممارسة
تُعد منظمة الشبيبة المغربية للتقدم والاشتراكية (التابعة لحزب التقدم والاشتراكية) أول شبيبة حزبية منظمة ورسمية في المغرب الحديث، حيث تأسست بتاريخ 18 يناير 1976 بالدار البيضاء، لكن قبل هذا التاريخ كانت الأحزاب تتوفر على تنظيمات موازية.
ويعود المحلل السياسي بركنان إلى فترة تأسيس حزب الاستقلال في فترة الحماية وما بعدها، حيث “استطاع تأطير فئات واسعة من الشباب عبر عدد من الجمعيات والمنظمات”، ولحقته أحزاب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي بنفس التوجه، حيث “شكّلت منظمات حركة الطفولة الشعبية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب فضاءات لإنتاج النخب والتعبئة ونشر الأفكار”، مُردفا أن “القوة الانتخابية للأحزاب كانت تُبنى أساسا داخل المجتمع نفسه”.
الأحزاب تتبنى مطالب الشباب..ولكن؟
١
قبل سنة، شهد الشارع المغربي احتجاجات غير مسبوقة لفئة شباب سمّوا أنفسهم “جيل زد”، طالبوا بالإصلاح السياسي والاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد، بعضها تحقّق، وبعض آخر ينتظر. فيما سارع عدد من الأحزاب إلى احتواء هذه الفئة والظفر بانضمامها لشبيباتها التنظيمية، عبر تبني خطابها ومطالبها، والدعوات للمشاركة في التصويت بكثافة في الانتخابات المقبلة من أجل التغيير.
في هذا الإطار، يرى المتحدث نفسه أن “الشباب مطلوب باعتباره ناخباً، لكن حين يتعلق الأمر بمنحه موقعاً حقيقياً داخل التنظيم أو تقديمه كمرشح تعود الأحزاب في كثير من الأحيان إلى شبكاتها التقليدية من الأعيان الفاعلين المحليين”.
ويستطرد الباحث السياسي بالقول أنّ “هنا تكمن المفارقة الكبيرة في المشهد السياسي المغربي اليوم، وهي إرادة الدولة الرسمية إدماج الشباب في الحياة السياسية وتجديد النخب، مقابل اقتصار الأحزاب على أصواتهم فقط دون أدوار سياسية”، محذرّا ” من فقدان الشبيبة الحزبية وظيفتها التاريخية كمدرسة لإنتاج النخب وبناء القاعدة الاجتماعية”.
أهلية وكفاءة القيادات الشابة
ويؤكد ذات المتحدث أن “أهلية القيادي الحزبي لا تُقاس بالأقدمية في التنظيم أو بالقدرة على التعبئة الانتخابية، وإنما تستند إلى خبرة وإيمان بالمدرسة السياسية والفكرية التي ينتمي إليها” مُوضحا أن “أن القيادي الحزبي الفاعل هو القادر على إنتاج الأفكار واقتراح الحلول، والمساهمة في بلورة القرارات التي تشكل رؤية الحزب للسياسات العمومية، وليس مجرد التصويت أو الدفاع عن قرارات صيغت خارج دائرة مشاركته”.
وشدّد بركنان في ختام حديثه على أن القيادي الشاب “من يمتلك القدرة على إنتاج رأي سياسي صادق في القضايا الاستراتيجية والسياسات العامة للدولة، انطلاقاً من مرجعيته الحزبية، ومن استقلالية فكرية تجعله قادراً على النقد والاقتراح والتنبيه إلى مكامن الخلل”، مُلفتا إلى أن “الحزب القوي لا يحتاج فقط إلى قيادات تجيد الدفاع عن مواقفه، وإنما إلى قيادات تساهم في صناعة هذه المواقف وفي إنتاج البدائل والسياسات التي يمكن أن تحكم وتخدم المجتمع والدولة”.
