أيمن مرابط – الرباط:على بعد أقل من شهر عن الانتخابات التشريعية في المغرب، يعيش المشهد السياسي على واقع مشتعل، بين انتقالات حزبية مكثفة لعدد من النواب البرلمانيين والمرشحين للتشريعيات المقبلة، وبين مؤتمرات ولقاءات وطنية وجهوية لرصّ الصفوف وتشكيل لوائح الدوائر الانتخابية، فيما أحزاب أخرى طرحت مبكرا البرنامج الانتخابي الخاص بها وانطلقت في حملات انتخابية مبكرة.
ولا حديث اليوم بين المتابعين السياسيين في المغرب سوى عن الأزمة المتفجرة بين أحزاب الأغلبية الحكومية الحالية بسبب انتقالات عدد كبير من أعضاءها من حزب إلى آخر، وتعيش أحزاب أخرى خارج دائرة الأغلبية على نفس الإيقاع، ووصلت أرقام الانتقالات وفق إحصائيات صحفية إلى 31 حالة انتقال حتى اللحظة.
ووصل الصراع بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحليفه الحكومي الأصالة والمعاصرة إلى حد الاتهامات بالترهيب واستخدام أساليب الترغيب والاستقطاب، ووصف حزب التجمع أن ممارسات الأصالة والمعاصرة تمثل مساسا بأخلاقيات العمل السياسي وبقواعد التنافس الديمقراطي”، مضيفا في بيان أن “محاولة استمالة عضو بمكتبه السياسي يتجاوز منطق الانتقال السياسي العادي، ويمس بأعراف العلاقات بين الأحزاب وباستقلالية هياكلها وقياداتها”.
الترحال السياسي.. ظاهرة مستجدة .
في عدد كبير من مناطق المغرب، قد تجد أنّ ثمة نائب برلماني أو رئيس جماعة لم يتغيّر منذ فترة طويلة، لأنه يفوز في الانتخابات، لكنّه يغيّر الانتماء الحزبي عند كلّ فترة، ويُتداول بين عامة الناس أن “فلان” ترشّح باسم شعار “السنبلة” والمرة السابقة كان “الشجرة” أو “الميزان” على سبيل المثال، حيث غالبية الناس يتذكرون شعار الحزب أكثر من اسمه، لكنّهم يعرفون فقط أن مرشّحهم فاز وحافظ على مقعده.
“لم تتزايد ظاهرة الترحال السياسي إلا في 25 سنة الأخيرة من تاريخ البلاد”، يقول الأكاديمي المتخصص في التاريخ السياسي المغربي محمد شقير، حيث “في عقود الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت ظاهرة انتقال المجموعات السياسية فيما يُعرف بالانشقاقات الحزبية، إما لأسباب شخصية أو خلافات سياسية وأيديولوجية”.٠
ويعود بنا شقير في تصريحه للوكالة العربية الإفريقية للأنباء إلى “تجربة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي انشق عن حزب الاستقلال”، مستحضرا في ذلك حزب الطليعة وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي وحزب الاشتراكي الموحد والحزب العمالي، حيث كلّها عبارة عن تجارب انشقاقات حزبية، ومؤكدا أن ظاهرة الترحال الحزبي ظهرت بشكل خاص في انتخابات سنة 2007.

ويُرجع ذات المتحدث سبب الظاهرة إلى “تكريس تشابه الأحزاب في برامجها، حيث أصبحت أحزابا انتخابية بالدرجة الأولى، ثم ظهور ما يُسمّى ب “أعيان الأحزاب”، وهو ما ساهم بشكل كبير في تزايد نسبة الترحال السياسي”، موضحا أن تقارب المصالح والبحث عن الفوز بأكبر عدد من المقاعد هما هدفين مشتركين بين الأحزاب والأعيان، وأن “أي عضو لا يحصل على تزكية من الحزب المنتمي له ويرى أن الحزب المنافي سيحقق له هذه النتيجة سيرحل إليه فورا”.
القانون لا يمنع الظاهرة كليّا
يمنع الفصل 61 من الدستور المغربي تغيير الانتماء الحزبي خلال الولاية التشريعية. هذا المنع، جاء استجابة لمطالب سياسية وشعبية واسعة لوضع حد لهذه الممارسة التي كانت تُفقد المشهد السياسي مصداقيته.
وأقرّ عقوبات صارمة في هذا الصدد، إذ يتّرتب على تغيير الحزب أو الفريق البرلماني التجريد الفوري من العضوية في البرلمان.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي بلال التليدي أن ظاهرة الترحال السياسي هي جوهرية في النظام الانتخابي المغربي، مضيفا أنّ “القانون حاول مكافحتها، لكنّه قصر ذلك على الولاية الانتخابية فقط، أي بعد اختيار السياسي لونا حزبيا، ومطالبته أو انتقاله من حزب لآخر، يجعله بين خيارين، إما الإصرار على الترحال أو فقدان المقعد البرلماني الذي دخله باسم الحزب الذي يريد الانتقال منه”.
ويوضح التليدي في تصريح للوكالة العربية الإفريقية للأنباء أن “ظاهرة الترحال بقيت مستمرة في اللحظة التي يبدأ فيها الإعداد للانتخابات”، شارحا بأنه “خلال الفترة الانتدابية من الزمن البرلماني تنشط عملية الترحال، لأن القانون لا يحاربها إلّا خلال الفترة الولائية”.

الأحزاب ومزاج السلطة السياسية
بحسب التليدي، فإن سبب ظاهرة الترحال السياسي يرجع إلى تقليد يقول “أن الانتخابات تؤول دوما إلى الحزب الذي تعطيه السياسية إشارة بأنه هو من سيتقلّد الحكم، أو على الأقلّ هكذا تفهم النخب السياسية مزاج السلطة”، مُردفا في كلامه أن “بعض النخب السياسية أدركت من خلال التحاق السيد فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة أن مزاج السلطة يميل إلى هذا الحزب”، وهو ما يفسّر الانتقالات الكثيفة التي يجري أغلبها من أحزاب الأغلبية الحالية نحو حزب الأصالة والمعاصرة.
ويستطرد ذات المتحدث أن الأمر يعود إلى قضية مفصلية في طبيعة النسق الانتخابي المغربي “كون الأعيان الذين ليس لهم أي انتماء سياسي ويتجهون نحو الأحزاب ذات الأسهم المرتفعة، يمثلون عاملا أساسيا في ترجيح الأحزاب بعضها على بعض، مُتسائلا بذلك حول الآليات التي تحسم الانتخابات في المغرب، هل هو الأداء السياسي للأحزاب؟ أم قدرة الأعيان على استعمال وسائلها الخاصة من أجل الحصول على قدر أكبر من الأصوات؟.
هاجس المقاعد وأعطاب جوهرية
يتألف مجلس النواب في المغرب من 395 مقعدا، لتشكيل الحكومة دون الحاجة للتحالف مع مكونات سياسية أخرى، يتطلب بلوغ عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا (النصف زائد واحد)، وبالنظر إلى البنية المؤسساتية والنظام الانتخابي المغربي القائم على الاقتراع النسبي، وتحديدا بعد اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين (بدءا من استحقاقات 2021)، أصبح من المستحيل وسياسيا على أي تشكيل سياسي تحقيق الأغلبية المطلقة منفردا.

هذا المعطى يجعل اللجوء إلى التوافقات وتشكيل حكومات ائتلافية حتمية هيكلية في المشهد السياسي المغربي، ويدفع المرشحين الأقوياء (الأعيان) الذين كانوا يتنافسون داخل الحزب الواحد أو يضمنون مقاعد مريحة في لوائحه، إلى مغادرته والبحث عن تزكيات في أحزاب أخرى، ضمانا لعدم إقصائهم بسبب التوزيع النسبي للمقاعد، كما تلجأ الأحزاب الكبرى إلى استقطاب مرشحين من أحزاب أخرى لتعزيز حظوظها في تصدر نتائج الانتخابات وضمان موقع قوي في التحالفات الحكومية المقبلة.
ويرى الأكاديمي محمد شقير أن هذه الظاهرة “تزيد من تكريس الصورة السلبية للأحزاب لدى الناخب” حيث “الأحزاب بالنسبة له لا تفكر إلّا في مصالحها الخاصة ولا يهمها إلّا المقعد وتصدر الانتخابات أو الانضمام إلى الحكومة” مشيرا إلى أن “انتقال عضو من حزب لآخر يكرس بأن مرشحي الاحزاب لا يتوفرون على اية مرجعية مذهبية او سياسية”.
بدوره، يعتقد بلال التليدي بأن “الأحزاب التي لم تتجذر من الرحم المجتمعي، أو التي لم تبقى وفية لتجذّرها الاجتماعي، تدرك أن حصولها على مراتب متقدمة يتطلب ضرورة أن يتم تأثيت كوادرها بالأعيان”، مشددا على أن القضية في جوهرها مرتبطة بطبيعة النسق الانتخابي في المغرب الذي يحتاج إلى تعديل أعطابه الجوهرية”.
