بعد أكثر من 100 عام على اقتلاع رفات أفارقة من أرضهم ونقلها إلى مؤسسات علمية ومتاحف، تعود جذور 86 من أبناء ناميبيا إلى وطنها، في واحدة من أكثر عمليات استعادة الرفات رمزية في تاريخ المنطقة؛ إذ تسلمت ناميبيا من جنوب إفريقيا رفات 84 من أجداد السكان الأصليين، إلى جانب رفات المناضلين السياسيين فستوس نيهالي وسيمون نيلينغي، اللذين توفيا أثناء احتجازهما في جزيرة روبن، لتطوي بذلك فصلًا طويلًا من الغياب وتفتح فصلًا جديدًا من استعادة الذاكرة والكرامة والهوية.

وجرت مراسم التسليم الرسمية في كيب تاون بحضور مسؤولين من البلدين وأفراد من عائلات المناضلين وزعماء تقليديين ناميبيين، بعدما استمرت عملية البحث عن أماكن الرفات واستعادتها نحو عقد كامل، فيما كانت الرفات محفوظة في أقسام متحف إزيكو الجنوب إفريقي في كيب تاون.
وتعود قصة الـ84 من الأجداد إلى الحقبة الاستعمارية، حين جُمعت رفاتهم بصورة غير أخلاقية من مجتمعات السكان الأصليين في ناميبيا قبل أكثر من 100 عام، ثم نُقلت إلى مؤسسات علمية وثقافية في جنوب إفريقيا، حيث خضعت جماجمهم وأدمغتهم للقياس والمقارنة ضمن تجارب وأبحاث بشرية ارتبطت بالتصنيفات العرقية التي كانت جزءًا من العلوم السائدة في الحقبة الاستعمارية.
ولم يكن هؤلاء في تلك المؤسسات أسماءً لأشخاص لهم عائلات ومجتمعات وذاكرة، بل عوملوا باعتبارهم عينات ومادة للبحث، قبل أن تستعيد ناميبيا اليوم رفاتهم باعتبارهم أجدادًا وجزءًا من تاريخها الوطني.
ناميبيا، تعتبر استلام رفات الاجداد، هو إستعادة للكرامة والهوية وإعادة التواصل الذي انقطع خلال الحقبة الاستعمارية، لقد غادروا وطنهم في الماضي كأفراد خاضعين لنظام استعماري، لكنهم يعودون اليوم إلى ناميبيا حرة ذات سيادة، لا كعينات ولا كمقتنيات متحفية ولا كبقايا منسية، وإنما «كأجدادنا، كشعبنا، وكجزء من التاريخ الوطني لناميبيا الحرة،هكذا يصف المسؤولين هذا المشهد،ويؤكدون بأن وضع الرفات في توابيت يمثل بحد ذاته جزءًا من عملية إعادة الإنسانية إلى أصحابها.

وإلى جانب رفات الأجداد الـ84، أعادت جنوب إفريقيا إلى ناميبيا رفات المناضلين فستوس نيهالي وسيمون نيلينغي، اللذين اعتُقلا في ناميبيا عام 1974 بسبب مشاركتهما في النضال ضد القمع الاستعماري والفصل العنصري، وسُجنا في جزيرة روبن، حيث توفيا أثناء الأسر، قبل أن تُدفن رفاتهما لاحقًا في جنوب إفريقيا؛ نيهالي في مقبرة ميتلاند ونيلينغي في غوغوليثو.
وبعد 52 عامًا من انفصالهما عن عائلتيهما، وقفت أسرتا الرجلين أمام نعشيهما خلال مراسم التسليم، في مشهد اختصر عقودًا من الفقد والانتظار.
وفي لحظة تتجاوز حدود مراسم التسليم الرسمية، تعيد ناميبيا اليوم أبناءها الذين خرجوا من أرضها قبل عشرات السنين؛ بعضهم غادرها حيًا ليعود رفاتًا، وبعضهم انتُزعت رفاته من موطنه لتصبح مادة للتجارب البشرية، فيما يعود الجميع الآن إلى دولة ناميبية حرة ذات سيادة.

إنها عودة الجذور إلى أرضها، وعودة الأسماء إلى أصحابها، والذاكرة إلى أهلها، بعد أكثر من قرن كان فيه الإنسان الإفريقي يُنتزع من سياقه ومجتمعه ويُختزل إلى «عينة» في مختبر أو «مقتنى» في متحف؛ لتأتي لحظة استعادة الرفات باعتبارها استعادة للإنسان نفسه، ولتؤكد أن الماضي الاستعماري لا ينتهي بمجرد رحيل المستعمر، بل يستمر حتى تعود الحقوق والكرامة والذاكرة إلى أصحابها.
