روزيت الفار-عمّان

على الرّغم من حرص الشّركات المتورّطة بهذا المشروع، على مدى العامين الماضيين كي تُبقي عملها مخفيّاً عن الجميع، غير أنّ تقريراً استقصائيّاً دقيقاً نشرته صحيفة Washington Postالواشنطن بوست الأمريكيّة في 30 يناير 2026، تمكّن من الكشف عن مخطّط سرّي يُنسب لبعض من شركات الذّكاء الاصطناعي الأمريكيّة وفي مقدّمتها شركة Anthropic آنثروبيك -كأهمّ المتّهمين الرّئيسيّين بهذا المشروع، والّتي تقوم بعمليّات شراء وجمع لأعداد كبيرة من الكتب والمخطوطات القديمة جداً والمهجورة، بالتّعاون مع شركة Zoom Books زووم بوكس الكنديّة؛ كوسيط تجاري يؤمّن لها ما تحتاجه من تلك الكتب، بهدف مسحها ورقمنتها ثمّ تدميرها والتّخلّص منها نهائيّاً. بمعنى العمل على تحويل جميع كتب العالم من ورقيّة إلى رقميّة، وهو ما سُمّي بمشروع“بنما”.
أمّا الأسباب، فهي لتدريب أنظمة الذّكاء الإصطناعي الّتي تملكها تلك الشّركات وتطويرها، وخاصّة بعد اصطدامها بجدار البيانات، أي نفاذ النّصوص عالية الجودة المتاحة بالمجّان على مواقع الإنترنت (من مقالات ومنشورات ومنتديات وغيرها)، حيث تعتبر هذه العناصر الرّكن الأساسيّ لتغذية نماذج الذّكاء الإصطناعي لأنظمتها. ولجعل هذه الأنظمة أكثر ذكاءً وقدرةً على التّحليل، كان لا بدَّ من العمل على استقطاب الكتب القديمة والنّادرة وذات الطّبعات المحدودة، والكتيّبات الفنّيّة والمذكّرات التّاريخيّة وما شاكلها، لما توفّره هذه الأدوات من نصوص مطبوعة طويلة ورصينة لازمة لنجاح عمليّات التّحديث. كما وتعتبر تلك الكتب والمراجع المصدر الأكثر جودة وموثوقيّة وتركيزاً للمعرفة الإنسانيّة الضّروريّة لعملية تدريب الأنظمة الإصطناعيّة على الكتابة والاستدلال بشكل متقدّم وفعّال.
آليّة المسح والرّقمنة:
بعد إتمام عمليّة الشّراء والتّوصيل لمراكز لوجستيّة خاصّة، تبدأ آليّة التّدمير. وذلك بفصل الأغلفة وتقطيع كعب الكتب (وهو الجزء الجانبي الصّلب الّذي يجمع غلافي الكتاب وأوراقه) وتسطيح صفحاتها كي تُتاح لأنظمة الذّكاء الاصطناعي الاستفادة القصوى والمُثلى من البيانات النّصيّة الموجودة عليها. ثمّ المسح الضّوئي الصّارم والخاطف لجميع تلك البيانات لتسهيل وتسريع عمليّة الرّقمنة. تُحفظ بعدها الكتب المرقمنة كملفّات رقميّة آمنة مثل (PDF or ePub) تدار ببرامج مخصّصة تسهّل الوصول إليها والبحث في محتواها. ثمّ تنتهي العمليّة بالتّقطيع والفرم باستخدام آلات هيدروليكيّة تحوّل الكتب الورقيّة المرقمنة إلى عجينة تضمن استحالة العودة إليها أو الاستفادة منها مستقبلاً.
الرأي القانوني:
في الوقت الّذي اعتبرت المحكمة الفدراليّة عمليّة شراء الكتب بهدف الرّقمنة والتّخزين لغايات تدريب برامج الذّكاء الإصطناعي؛ عمليّة عادلة قانونيّاً لاعتبارها عمليّة تحويليّة تشبه تماماً قراءة الإنسان للكتب وتحليلها، غير أن حكمها للكتب المقرصنة جاء خلاف ذلك، حيث قضت بعدم عدالة تلك العمليّة وألزمت الشّركات المُقرصِنة بإتلاف جميع ما لديها من تلك الكتب -والّتي تقدّر بسبعة ملايين كتاباً- وبالتّعويض بمبلغ مليار ونصف دولار للقيّمين على تلك الكتب والفنّيّين الّذين كانوا قد رفعوا دعوى قضائيّة ضدّ تلك الشّركات لانتهاكها حقوق النّشر واستخدامها نسخاً مقرصنة لكتبهم.
تداركت دول ككندا وجامعات مشهورة كجامعة أكسفورد البريطانيّة والسّوربون الفرنسيّة وغيرهم؛ خطورة هذه العمليّة، وقرّرت؛ وبطلب من حكوماتها، عدم السّماح لشركات الذّكاء الإصطناعي الكبرى (Anthropic آنثروبيك و Open AIأوبن إيه آي) الحصول على النّسخ الأصليّة من أيِّ كتاب لديها وفرضت قيوداً مشدّدة لمنع بيعها أو حتّى الوصول إليها؛ حماية للتّراث الإنسانيّ من الضّياع وعدم استغلال إرثها المعرفيّ تجاريّاً من قبل كيانات تقنيّة مجهولة، باعتبار تلك الشّركات؛ قد أصبحت المصدر الوحيد والمالك الحصريّ لتلك الكتب، الأمر الّذي تجني من خلاله أرباحاً مادّيّة طائلة تفرضها على المستخدمين.
للأسف لم تقم حتّى الآن؛ أيٌّ من دولنا العربيّة أو جامعاتها؛ بعمل مشابه لما قامت به تلك الدّول والجامعات، بل على العكس، فقد شاهدنا مؤخّراً فيديو نشره موقع العربي 21 الشّهير وتناقلته مواقع إخباريّة عدّة، يظهر مجموعة من الأشخاص الأجانب داخل أحد الأقسام المغلقة للمكتبة الوطنيّة السّوريّة؛ يبحثون بين كتبها القديمة المهجورة -الّتي تعتليها طبقات كثيفة من الغبار وهو ما يدلّ على عدم لمسها لعقود طويلة- ويقلبّون صفحاتها ويتحدّثون عن مواضيع ومحتويات وتواريخ صدور تلك الكتب، العائد بمعظمه، لسنوات قديمة جدّاً. إضافة لظهور صور للعديد من الكتب والمخطوطات والوثائق التّاريخيّة القديمة والنّادرة، بما فيها نسخة من القرآن الكريم، وكتب أدب وشعر صادرة بلغات أجنبيّة كالإنجليزيّة والألمانيّة والفرنسيّة إضافة إلى العربيّة، تشكّل بمجموعها كنزاً معرفيّا وإنسانيّاً مُهمّاً.
يأتي السّؤال الأهمّ: كيف دخل هؤلاء الأجانب لهذا المكان؟ على ماذا يبحثون؟ وماذا يريدون؟ وهل هناك ارتباط بين ما يقومون به مع المشروع المذكور؟
بقي أن نعرف بأنَّ لغياب النّصوص الأصليّة تداعيات خطيرة كإحداث صعوبة في التّوثيق التّاريخي وفتح المجال واسعاً للشّك في صحّة المعلومات والأفكار والأحداث، عدا عن أنّه يؤدّي إلى تعدّد القراءات والتّأويلات الّتي تنتهي بفهم متباين أو متضارب للحقائق الّتي بدورها قد تأتي مغلوطة نتيجة للتّعديل أو الحذف أو الاجتزاء أو إعادة الصّياغة؛ وفقاً للمصالح.
