تصدّر المغرب مؤشر التصنيع الإفريقي لسنة 2025، وبات صاحب الاقتصاد الصناعي الرائد في القارة، مدفوعاً بالتحديث الصناعي المستدام، وتنويع الصادرات، وسياسة صناعية قوية.
جاء ذلك عقب إعلان البنك الإفريقي للتنمية في بداية هذا الأسبوع عن نسخة 2025 من مؤشر التصنيع في أفريقيا، مفيدا بتفوق المغرب على جنوب افريقيا بعد سنوات من الصدارة الصناعية في القارة.
يحمل هذا الاعتراف في طياته دلالة اقتصادية وسياسة مهمة، اذ يؤكد على أن المغرب لم يعد ينظر إليه فقط كمحطة عبور وكسوق استهلاكية: بل كمنصة رائدة في افريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
غير أن قوة هذا المؤشر لا ينبغي أن تحجب السؤال الأهم، وهو إلى أي حد يتحول هذا التقدم الصناعي إلى أثر ملموس في سوق الشغل وحياة المواطن؟
أرقام ونجاحات مهمّة
الصناعة المغربية حققت نجاحا كبيرا في السنوات الأخيرة. فقد تجاوز عدد مناصب الشغل في القطاع الصناعي مليون منصب في عام 2024، وبلغ حوالي 1.038.133 منصبا. كما خلق القطاع الصناعي أكثر من 42 ألف منصب شغل جديد خلال نفس العام. هذا يظهر أن الصناعة بدأت تلعب دورا هاما في خلق فرص العمل داخل الاقتصاد المغربي.
وفي مجال التجارة الخارجية، حافظ قطاع السيارات على موقعه كأول قطاع تصديري في المغرب في عام 2024، حيث بلغت صادراته 157.6 مليار درهم، مسجلا نموا بنسبة 6.3% مقارنة بالسنة السابقة. هذا يعكس تحولا في توجه المغرب من مجرد سوق استهلاك إلى مركز إنتاج مرتبط بالسلاسل العالمية.
تحديّات سوق الشغل ونسب البطالة
في المغرب، لاتزال مشكلة البطالة قائمة، حيث بلغ معدل البطالة 13% في عام 2025، وفقا للمندوبية السامية للتخطيط المغربية، وارتفعت بطالة الشباب بين 15 و24 سنة إلى 37.2%، ما يطرح سؤالا حول قدرة الصناعة على امتصاص البطالة، خاصة بين الشباب والخريجين.
لذلك، يجب على الحكومة المغربية أن تعمل على تحويل التقدم الصناعي إلى سياسة تشغيلية حقيقية. هذا يعني أن تكون المصانع مرتبطة بنظام تكوين مهني فعال، وأن تجد المقاولات الوطنية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، مكانها داخل سلاسل القيمة. يجب أن يكون الاستثمار الصناعي منتشراً في جميع أنحاء البلاد، وليس مركزاً في مناطق محددة فقط.
لا تقاس الصناعة القوية فقط بحجم الصادرات أو بعدد المصانع، بل بما ينعكس داخل المجتمع من شغل وأجور ومهارات، ومقاولات صغيرة ومتوسطة محلية. لذلك، يجب على الحكومة المغربية أن تعمل على تحويل التقدم الصناعي إلى سياسات أكثر فعالية وأكثر إنصافا وأكثر قربا من المواطن.
التوازن بين الاعتراف الدولي والسياسات الداخلية
حققت الصناعة المغربية تقدما كبيرا لكن يجب أن يكون هذا التقدم متراكما مع سياسات اجتماعية واقتصادية تفيد المواطن، ما يتوجّب أن يكون هناك توازن بين التقدم الصناعي والعدالة الاجتماعية والمجالية، لذلك يجب العمل على خلق فرص عمل حقيقية للشباب وتحسين الدخل وتقوية وملائمة التكوين للتقليل من أي خطر محتمل.
إن الاعتراف القارّي والدولي بالصناعة المغربية يجب أن يكون بداية نقاش جدي حول أثر التصنيع على التشغيل والعدالة الاجتماعية والمجالية، وعلى الحكومة المغربية أن تعمل على تحويل هذا التقدم إلى سياسات أكثر فعالية وأكثر إنصافا.
بذلك، يكون المغرب قد ربح موقعا مهما في صورة التصنيع الإفريقي و الدولي، لكن الأهم، هو أن تتحول هذه الصورة إلى واقع اقتصادي واجتماعي يلمسه المواطن في حياته اليومية و ينعكس على قدرته الشرائية.
