لا أدري لماذا يُتناول الطابع القبلي أحيانًا بشيء من السلبية! فالقبيلة اليوم لم تعد مجرد رابطة تقليدية، بل أصبحت جزءًا من التكوين الوراثي والاجتماعي، تنتقل عبر الأجيال جنبًا إلى جنب مع تحصيل العلم والانخراط في الحداثة، وهذا من المسلمات التي لا جدال فيها.
لقد شكّلت القبائل ركيزة في الفتح الإسلامي، بدءًا من النبي العربي الذي وصل برسالته إلى السند والهند مستندًا على قوة القبائل، وصولًا إلى الغزو الأميركي للعراق، حيث لم يتوانَ الرئيس الأميركي جورج بوش – رغم ما تملكه بلاده من قدرات مادية هائلة – عن الاستثمار في البنية العشائرية، وهو ما تجلّى في زيارته الشهيرة للأنبار ولقائه بشيوخ القبائل هناك عام 2007هذا يؤكد أن القبائل ليست عبئًا بل قوة اجتماعية وسياسية فاعلة، ينبغي النظر إليها كأداة ناجعة لفهم تركيبة هذا المشرق العربي، بكل ما فيه من تنوع بشري ورموز روحية وتاريخية، تتجلى في كل قرية عبر مزار أو كنيسة أو زاوية أو مسجد.
ولا يغيب عن البال أن نحو 65% من المجتمع السوري ينحدر من أصول قبلية، ويشمل ذلك العرب بمختلف طوائفهم، بمن فيهم الأكراد والمسيحيون. وتُمثّل القبائل في هذا السياق أحياءً متقابلة، لا يجوز تنميطها أو اختزالها بصورة رجعية؛ ففيهم الطبيب والمهندس والأكاديمي والضابط والطيار والمحامي، وكافة أطياف المجتمع المهني.
في مرحلة ما بعد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي عام 1946، سعت الأحزاب القومية وغيرها من القوى السياسية إلى إذابة الهويات الفرعية ضمن هوية وطنية جامعة. وقد نجحت هذه الرؤية فقط عندما كانت الدولة قوية ومتماسكة، وانهارت مع ضعفها، كما حدث لاحقًا. حزب البعث مثلاً رفع شعار “نحن فلاح وعامل” في محاولة لتهميش طبقة الإقطاعيين، التي كانت تحمل في خلفياتها الطابع القبلي أو العائلي، كما أشار حنّا بطاطو في دراسته عن الفلاحين في سوريا. هذا التهميش شكّل أساسًا للكراهية العميقة لدى هذه الفئات تجاه الدولة، خصوصًا بعد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي المصادرة على الفلاحين، مما أضرّ بمكانة الإقطاعيين التقليدية.
ومن المفارقات التاريخية أن أول من ثار ضد نظام البعث وبشار الأسد هم الفلاحون أنفسهم، أولئك الذين استفادوا يومًا من ذلك القانون. هذا يدل على هشاشة عملية التحديث الاجتماعي التي بدأها حافظ الأسد، والتي لم ينجح بشار الأسد في تجديدها، بل أدخل البلاد في نموذج هجين يُسمى بـ”اقتصاد السوق الاجتماعي”، كما ناقش سامي كليب في كتابه الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج.
أما على صعيد البنية القبلية، فإن شيوخ العشائر ما زالوا هم أنفسهم من ذات البيوت وراثةً منذ عقود، رغم تغيّرات الدولة والحكومات. ويُعزى ذلك إلى تمسّكهم العميق بالتاريخ، الذي صاغه الأجداد وكرّسه الآباء وتوارثه الأبناء. هذا الثبات واجه محاولات عديدة من الدولة للعبث بخريطة القبائل والعشائر لصالح أجندتها، تحت شعار “تعزيز المدنية” على حساب القبلية، والدعوة للاحتكام إلى مؤسسات الدولة بدلاً من الديوان العشائري أو المرجعيات التقليدية. غير أن الأزمة السورية أثبتت هشاشة هذا الطرح؛ فسقطت الروابط الأمنية والحزبية، بينما ظلّ الرابط القبلي صامدًا ومتماسكًا وعصيًا على الذوبان.
الحمولات القبلية في سوريا ما تزال تتغنّى بتاريخها المقاوم في مواجهة الاستعمار. والدي – على سبيل المثال – كان يردّد بفخر: “قاتلنا الأتراك في النهار، والفرنسيين في الليل، دفاعًا عن هذه الأرض”، (المعارك موثقة في رابطة المجاهدين في سوريا). وغالبًا ما تتحاشى القبائل النزاعات الداخلية، لإدراكها العميق أن لا منتصر فيها، ومن المواقف الجميلة بذائقتي التي تجسّد الحكمة القبلية في نظري لا للحصر،ما فعله الشيخ دهام الهادي الجربا، شيخ شمر، حينما وصل في أربعينيات القرن الماضي إلى مضارب قبيلة أخرى تتنازع عشيرتان ضمنها منذ أسابيع. خاطبهم قائلاً: “أمامكم خياران لا ثالث لهما: إما أن تتصالحوا ونتعشّى معًا، أو أقاتلكم كلكم وأنهي وجودكم.” فاختاروا المصالحة، وتعشّوا معًا، وتحوّل ذلك الحدث إلى مَعلم يُخلّد حكمته في فضّ النزاعات الداخلية، والشواهد لباقي الرموز والزعامات القبلية كُثر.
وسط تاريخ طويل في سورية من الاقتتال المجاني على الموارد والخلافات القديمة بين البدو الرحل والعشائر المستقرة وسكان المدن والتجاذبات الاقليمية يبقى الامل مستقبلاً بدولة مواطنة تخفظ حقوق الفرد وواجباته بعقد اجتماعي جديد يجب عما قبله.
