الزهراء احمدسالم : ذكرني رحيل الفنان عبد الرحمن أبو زهرة، وما رافقه من نعي واسع على صفحات كثير من مثقفينا، بعلاقة المجتمع الموريتاني القديمة بالفن العربي، والمصري خاصة.
فالأمر عندنا لم يكن مجرد متابعة لمسلسلات أو معرفة أسماء ممثلين، بل كانت تلك الأعمال جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، تدخل البيوت بهدوء، وتبقى في الذاكرة لسنوات طويلة.
فعبد الرحمن أبو زهرة مثلًا لم يكن معروفًا عند كثير من الموريتانيين باسمه الحقيقي، بل باسم “الحجاج بن يوسف الثقفي”، بسبب الدور الذي لعبه بإتقان شديد حتى التصقت به الشخصية تمامًا. وربما لهذا شعر كثيرون عند وفاته وكأن شخصية تاريخية مألوفة قد رحلت، لا مجرد ممثل عرفوه عبر الشاشة.
ولم يكن تأثير الدراما العربية مقتصرًا على المشاهدة فقط، بل امتد إلى الأسماء أيضًا. فعندي صديقة اسمها “برديس”، وهو اسم شخصية لعبتها الفنانة نيللي في مسلسل بثه التلفزيون الوطني، كما أن اسم “دلال” انتشر هو الآخر متأثرًا بشخصية جسدتها الفنانة الراحلة حياة الفهد في مسلسل كويتي.
حتى الثياب وأنواع الخياطة وبعض الأدوات اليومية كان لها نصيب من هذا التأثير. ولا أنسى ذلك الشريط اللاصق الذي يوضع على اليد أثناء رسم الحناء، والذي ما يزال كثير من النساء يسمينه إلى اليوم “الزنكلوني”، رغم أن أغلبهن لا يعرفن اسمه الحقيقي بالعربية.
والطريف أن كلمة “الزنكلوني” نفسها جاءت من مسلسل عربي كانت التلفزة الموريتانية تبثه في تسعينيات القرن الماضي، لعب بطولته الفنان المصري الراحل محمد رضا، قبل أن تتحول الكلمة مع الوقت إلى جزء من اللهجة اليومية عند الناس.

ولشدة حضور ذلك المسلسل في الذاكرة، وقعت مساجلة لطيفة في برنامج “السهرة الرمضانية” بين العلامة محمد سالم بن عدود وشيخنا حمدا ولد التاه، عُرفت لاحقًا بـ”الزنكلونيات”.
وقد بدأها شيخنا حمدا بقوله:
الخلق بين شؤون
كثيرة وفنون
البعض منهم بسيط
وبعضهم “زنكلوني”
فرد عليه الشيخ عدود رحمه الله:
بالشيخ حمدا صلوني
وعنه لا تفصلوني
إني على العهد منه
وإن هم عذلوني
على ثبات فمالي
تلوّن “الزنكلوني”
ثم عاد شيخنا حمدا قائلًا:
الدهر كالمنجنون
يجري بنا في سكون
لئن قضينا زمانًا
في غفلة ومجون
فقد قضينا زمانًا
في صوم شهر مصون
والشيخ عدود يحكي
نوادرًا من فنون
وتارة نتسلى
في عالم “الزنكلوني”
وهذه المساجلة وحدها تكشف حجم حضور الدراما العربية في المجتمع الموريتاني آنذاك، حتى إن اسم مسلسل كوميدي صار مادة للتندر والمداعبة الأدبية بين كبار العلماء والأدباء.
ومن أطرف ما يعبر عن تعلق الناس بتلك الشخصيات، أن إحدى النساء شاهدت الفنان إبراهيم يسري في مسلسل “المال والبنون”، بعدما كانت قد عرفته من قبل في دور الإمام الشافعي في مسلسل “عصر الأئمة”، فقالت بعفوية صادقة: “مسكين الشافعي كابظتو الرجفه”، لأنها لم تستوعب ببساطة أن الرجل يؤدي شخصية جديدة، وأن هذا ليس الإمام الشافعي رحمه الله، بل ممثل يؤدي أدوارًا مختلفة.
كانت تلك الأيام بسيطة وجميلة. شاشة واحدة تجمع الناس، ومسلسلات تصنع ذاكرة مشتركة، وشخصيات تبقى حاضرة في الأسماء واللغة والحكايات حتى بعد عشرات السنين. وربما لهذا لم يكن خبر رحيل عبد الرحمن أبو زهرة مجرد خبر عابر عند كثير من الموريتانيين، بل استدعاءً كاملًا لزمن قديم ما زال يسكن الذاكرة.
