د. محمد سليمان فايد:خمسة عشر يومًا في بيروت لم تكن مجرد رحلة عمل لتغطية الحرب واعتداءات إسرائيل المستمرة على جنوب لبنان، بل كانت تجربة إنسانية عميقة كشفت لي وجهًا مختلفًا لهذا البلد؛ بلدٌ يُصرّ على الحياة رغم كل ما يثقل كاهله من جراح،في ظل حرب لم تهدأ، وقرارات وقف إطلاق نار لا تصمد طويلًا، بدا المشهد وكأن هذا الوطن لم يُمنح يومًا كاملًا من الطمأنينة. ومع القلق والتوتر، كانت شوارع بيروت تنبض بالحياة؛ السيارات تملأ الطرقات، والناس يمضون في تفاصيل يومهم بإصرار لافت.
لبنان، الذي ترتوي أرضه بدماء الشهداء، لم يفقد روحه، بل ازداد تمسكًا بالحياة، وكأن شعبه قرر أن يكون أقوى من الألم.
رافقتُ في هذه الرحلة شخصية إعلامية عربية استثنائية، هو الإعلامي سامي كليب، المحب لوطنه العربي من من موريتانا الى المغربي العربي فالصومال ومصر والخليج لا يفرق بين بلد عربي وآخر بلا يعتبر هذا الوطن العربي الكبير بيته فهو المؤمن بأن العروبة ليست شعارًا بل انتماء حيًّا في الوجدان، معه، لم تكن الزيارة مجرد تغطية إعلامية، بل رحلة فكرية وإنسانية، زادها عمقًا كرمه واحتضانه لي كأخ وصديق، كما عهدته منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا.

وخلال هذه الزيارة، التقيت عددًا كبيرًا من السياسيين والمثقفين والنواب من مختلف التوجهات. لكلٍ رؤيته الخاصة للبنان، لكن القاسم المشترك بينهم كان القلق الصادق على مصير هذا الوطن..من بينهم دولة الرئيس فؤاد السنيورة، صاحب التجربة السياسية العميقة، والأمير طلال أرسلان، الذي يجسد امتدادًا قوميًّا عربيًّا متجذرًا، و في طرابلس شماللبنان، التقيت النائب فيصل كرامي، العروبي المخلص، ابن عائلة كرامي العريقة المحبة للبنان.
لكن الصورة التى لا تمحوها الذاكرة كانت في الناس البسطاء؛ المهجّرون من الجنوب الذين فقدوا بيوتهم وأراضيهم، وأبناء الضاحية الجنوبية الذين يواجهون القسوة يوميًا. ومع ذلك، لم أسمع منهم سوى كلمات الأمل؛ تمسكهم بالحياة كان لافتًا، وإيمانهم بلبنان قويًّا وشامخًا لم يتزعزع رغم كل شيء.

ومن أبرز محطات الرحلة، زيارتي إلى مقام النبي أيوب في نيحا الشوف، حيث الهدوء الذي يعلو على ضجيج الحرب، وحيث يستحضر المكان معنى الصبر. هناك، شعرت أن قصة لبنان تختصر في سيرة النبي أيوب، نبيّ صبر طويلًا، فكان الجزاء أملًا لا ينطفئ..كذلك جبال الشوف التي تختزن تاريخًا من الصبر والتعايش والقصص الخالده بوجدان أهلها.

خمسة عشر يومًا كانت كافية لأدرك أن لبنان ليس مجرد بلد، بل حكاية صمود لا تنتهي، حيث يمتزج الألم بالأمل، والخوف بالإصرار.. شعبه يستحق الحياة، يستحق السلام، ويستحق أن يعيش بكرامة.
وفي مشهدٍ يلخّص المأساة والإنسانية معًا،تشرفت بلقاء قادة من عناصر الصليب الأحمر، والدفاع المدني اللبناني اصحاب الاداء البطولي، يقدمون أرواحهم فداءً للناس وسط هذا الواقع القاسي و يكتبون بجهودهم اليومية سطور الإنقاذ والأمل.
الألم الذي تكشّفه الأرقام القاسية عن حجم الكارثة؛ إذ أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، وأنا اكتب هذه الحروف، أن الحصيلة الإجمالية للعدوان على لبنان منذ 2 آذار حتى 6 أيار باتت :
2706 شهيدا و 8311 جريحا.. ليبقى السؤال الذي لا يفارق الذاكرة: متى ينتهي هذا النزيف، ويعود لبنان كما عرفه العالم، وطنًا للحياة والنور؟
