د.ساره قوراري – كاتبة وباحثة سياسية جزائرية

1. الدبلوماسية فوق صفيح ساخن:
بينما تنشغل الصالونات السياسية في بيروت بترتيبات حقائب السفر نحو واشنطن ومنتجع “مار إيه لاغو” في فلوريدا، حيث تطبخ ملامح “الصفقة الكبرى” برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فجّر السفير الأمريكي بلبنان ميشال عيسى اليوم من الصرح البطريركي في بكركي قنبلة دبلوماسية أعادت خلط الأوراق. ففي تصريحات وصفت في الأوساط السياسية اللبنانية بأنها “مستفزة وجريئة” في آن واحد، تساءل بلهجة شعبوية: “شو نتنياهو بعبع؟ هو مفاوض ثان”، لم يكن السفير يطلق مجرد رأي عابر، بل كان يعلن رسميا عن انطلاق عملية “كسر التابو” النفسي والسياسي، ممهدا الطريق للقاء مباشر يجمع الرئيس جوزيف عون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
هذه “الدبلوماسية القسرية” التي يمارسها البيت الأبيض، تضع الدولة اللبنانية في فوهة بركان؛ فبينما يبحث رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون عن أي بصيص أمل لإنتشال لبنان من حافه الانهيار الشامل وانهاء دوامه الحرب والتفكك، يصطدم هذا المسار بـ حرب رموز وفتنة إعلامية (الطيور الغاضبة) تهدف لتفتيت الجبهة الداخلية قبل الوصول إلى طاولة التفاوض.
2-خبايا هذا الارتطام الكبير بين أوهام فلوريدا وواقع الميدان المر.
يبدو أن الرئيس جوزف عون يتبنى نموذجا كلاسيكيا لنظرية المساومة المشروطة (Linkage Theory) في العلاقات الدولية حيث يرفض بصرامة تقديم أي تنازل رمزي أو بروتوكولي — كالمصافحة أو اللقاء المباشر — ما لم يتم ربطه عضويا بـ مكاسب سيادية ملموسة على الأرض. بالنسبة للرئيس عون، المصافحة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي ورقة ضغط أخيرة يرفض التفريط بها قبل انتزاع تعهدات دولية بالانسحاب الشامل من النقاط الخمسه و الخمسين وإسقاط بدعة الخط الأصفر. هذا التشدد في الشروط يجد تفسيره أيضا في نظرية تكلفة الجمهور (Audience Costs) فالرئيس اللبناني يدرك تماما أن أي تراجع عن هذه الثوابت أمام المستوى المحلي (الشارع اللبناني والثنائي الشيعي) سيحمله تكلفة سياسية باهظة قد تطيح بشرعيته كحام للدستور. لذا هو يبرر لنفسه وللعالم هذا الرفض ليس كـ عناد دبلوماسي، بل كضرورة وطنية لضمان ألا تتحول قمة فلوريدا إلى منصة لـ “تطبيع مجاني”على حساب الأرض المحتلة.
إنها محاولة ذكية منه لإحراج الخصم أمام المجتمع الدولي: فإما تنفيذ القرار الدولي والانسحاب، أو تحمل مسؤولية فشل صورة النصر التي يطمح إليها ترامب في منتجعه.
3- عقيدة الصمود: بري وجنبلاط ورفض ‘الختام الملوث بالتطبيع: الرئيس بري، الذي قضى عقودا في سدة المسؤولية حاملا لواء الصمود، يرفض بشكل قاطع أن تكون “خاتمة مسيرته التاريخية” ملوثة بختم التطبيع أو التنازل تحت ضغط فلوريدا. إنه صراع على الإرث بقدر ما هو صراع على الحدود . هذا الموقف يتقاطع بشكل لافت مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي يدرك بحسه التاريخي أن أي انزلاق نحو سلام منفرد غير مدروس قد يقلب التوازنات الدرزية والوطنية رأسا على عقب. هنا يبرز تقاطع المواقف بين بري وجنبلاط على رفض “الإملاءات الخارجية” لترامب يعيد التذكير بأن الحرس القديم في السياسة اللبنانية، رغم كل الخلافات، يجمعهم “خط أحمر” وطني يمنع تحويل لبنان إلى مجرد ورقة في صفقة إقليمية. هذا الرفض العقائدي هو الذي منح تحرك بري نحو السعودية ثقلا مضاعفا كونه يبحث عن خروج مشرف يحمي التاريخ والمستقبل معا بالمعنى الأدق يبرز دور الرئيس نبيه بري هنا كـ “حارس لاتفاق الطائف رافضا أن تكون خاتمة مسيرته التاريخية ملوثة بالتطبيع.
4- المظلة السعودية:
في اللحظة التي بدت طائرة بعبدا وكأنها تتأهب للإقلاع نحو “مار إيه لاغو” تحت وطأة الضغوط الأمريكية المكثفة، جاء تحرك رئيس مجلس النواب نبيه بري باتجاه الرياض ليعيد ضبط عقارب الساعة السياسية. إن إيفاد الأستاذ بري لممثله الشخصي الوزير السابق علي حسن الخليخ إلى المملكة العربية السعودية ليس مجرد زيارة بروتوكولية، بل هو مناورة استراتيجية تهدف إلى الاحتماء بالشرعية العربية واتفاق الطائف في مواجهة محاولة واشنطن تحويل اللقاء مع نتنياهو إلى أمر واقع. من منظور العلاقات الدولية، يمارس بري هنا ما يعرف بـ “توازن القوى الناعم”؛ فهو يدرك أن الذهاب إلى فلوريدا دون غطاء سني وعربي شامل يعني انتحارا سياسيا وانكشافا للجبهة الداخلية أمام الفتنة. لذا، فإن الدور السعودي اليوم يبرز كـ “صمام أمان” يمنع انفراد أي طرف بقرار السلم، ويبعث برساله واضحه الى ترامب بأن مفاتيح الحل في بيروت لا تزال تمر عبر بوابة الإجماع العربي، وليست رهينة لمصافحة عابرة في منتجع رئاسي. بهذا التحرك، يكون بري قد منح الرئاسة اللبنانية شبكة أمان تتيح لها المناورة بشروط سيادية صلبة، بعيدا عن فخاخ التطبيع المجاني الذي تروج له تصريحات السفير عيسى الأخيرة.
5- عقدة السلاح تحت المحراث الفضي استراتيجية الانتحار المرفوض :
إن ما يغيب عن طاولات التفاوض في فلوريدا هو الحقيقة المرة على الأرض فإسرائيل تحاول عبر عمليات المحراث الفضي (Silver Plow) فرض واقع مدمر وتجريف القرى خلف الخط الأصفر المستحدث. نتنياهو يريد استخدام احتلال أكثر من خمسة وخمسين نقطة استراتيجية كرهينة لانتزاع سلاح حزب الله، لكن الحزب الذي يرى نفسه في ذروة قدرته الردعية، يعتبر تسليم السلاح في هذه اللحظة انتحارا استراتيجيا يترك لبنان مكشوفا حتى لو انسحبت إسرائيل لما وراء الخط الأزرق. الحقيقة التي يدركها الجميع خلف الكواليس هي أن الحزب لن يقدم رأس سلاحه كثمن لاستعادة الجغرافيا المحتلة، بينما يبحث الرئيس عون عن أي بصيص أمل لإنقاذ لبنان من الحرب والتشرد وإعادة الإعمار. هذا التناقض الصارخ يعني أننا أمام هدنة بالغة الهشاشة تقوم على أوهام التسوية؛ فبينما يطالب العالم بحصرية السلاح، يصر الميدان على أنه الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الاحتلال. إنها حلقة مفرغة تجعل من طبول الحرب الحقيقية صوتا يعلو فوق أي دبلوماسية، بانتظار لحظة الارتطام الكبير الذي قد يطيح بكل وعود ترامب في فلوريدا.
6- فخ الاغتيال وفتنة البعبع: هل ننزلق من صراع الحدود إلى جحيم الحرب الأهلية؟
يزداد المشهد قتامة مع دخول سلاح التخويف على خط المواجهة فبينما يروج السفير عيسى لكسر تابو البعبع الإسرائيلي، خرجت تسريبات مريبة من مكتب نتنياهو تدعي الخوف على حياة الرئيس عون من اغتيال وشيك قد تنفذه أطراف داخلية لتعطيل مسار فلوريدا. هذا الإغراق في القلق الإسرائيلي’المفاجئ لا يقرأ في بيروت إلا كصاعق تفجير للفتنة الأهلية، وهدفه دفع عون نحو طاولة نتنياهو بذريعة الحماية من شركاء الداخل هذا السيناريو يتقاطع بشكل مرعب مع الغليان الذي أعقب تقرير قناة lbc وما نتج عنه من ردود فعل رمزية حادة صورت المقامات الدينية (لاسيما بكركي) كـ طيور غاضبة مما يضع لبنان أمام معضلة أمنية وجودية حيث تحول المحتوى الإعلامي والتحذيرات الأمنية الملغومة إلى أدوات لـ اقتحام السلم الأهلي وتفتيت الجبهة الداخلية قبل وصول عون إلى طاولة التفاوض. نحن الآن في قلب مواجهة بين منطقين: منطق الدولة الذي يحاول الرئيس عون ترميمه، ومنطق الحروب الإلهية الذي يرى في أي مساس برموزه الرمزية خطا أحمر. إن التخوف الحقيقي اليوم هو أن يتحول هذا التحريض الممنهج والرسائل الأمنية القادمة من تل أبيب إلى حقيقة ميدانية تشعل فتنة طائفية تحرق الأخضر واليابس. فإذا شعر أي طرف بأن تسويات فلوريدا تطبخ على أنقاض كرامته العقائدية أو تهدف لعزله واغتياله سياسيا فقد يدفع ذلك البلاد نحو انتحار جماعي في حرب أهلية جديدة حيث يهرب الجميع من فخاخ التفاوض إلى جحيم المواجهة الشاملة هربا من استحقاقات سيادية يرفض الميدان المقايضة عليها. في المحصلة لا يمكن فصل زلزال فلوريدا عن التعثر العميق في قنوات التواصل بين واشنطن وطهران ففي ظل المواجهة المباشرة التي تصاعدت منذ مارس الماضي، يبدو أن لبنان قد اختير ليكون صندوق البريد الأكثر دموية لتصفية الحسابات الإقليمية.
وهنا يبقى السؤال الاستشرافي الأهم: هل تنجح ضغوط ترامب في إبقاء بيروت محايدة عبر إلزام نتنياهو بحدود الضربات الجراحية فقط؟
الواقعية السياسية تقول إن زلزال فلوريدا سيعيد رسم خريطة النفوذ بالكامل، فإما أن تنجح اللعبة ذات المستويين في إنتاج اتفاق قيصري يحمي ما تبقى من سيادة بضمانات دولية، أو أن تظل فتنة الطيور وارتدادات بكركي هي الشرارة التي تشعل عودة الحرب الشاملة. إن فشل الدبلوماسية الوقائية في ردم الهوة بين قدسية السلاح ومنطق الدولة يعني أننا لسنا أمام نهاية للحرب، بل في مجرد استراحة محارب هشة، بانتظار لحظة الارتطام الكبير التي قد تطيح بكل طاولات التفاوض وتعيدنا إلى المربع الأول من الدمار والتشرد. وشيك قد تنفذه أطراف داخلية لتعطيل مسار فلوريدا.
هذا الإغراق في القلق الإسرائيلي’المفاجئ لا يقرأ في بيروت إلا كصاعق تفجير للفتنة الأهلية، وهدفه دفع عون نحو طاولة نتنياهو بذريعة الحماية من شركاء الداخل هذا السيناريو يتقاطع بشكل مرعب مع الغليان الذي أعقب تقرير قناة lbc وما نتج عنه من ردود فعل رمزية حادة صورت المقامات الدينية (لاسيما بكركي) كـ طيور غاضبة مما يضع لبنان أمام معضلة أمنية وجودية حيث تحول المحتوى الإعلامي والتحذيرات الأمنية الملغومة إلى أدوات لـ اقتحام السلم الأهلي وتفتيت الجبهة الداخلية قبل وصول عون إلى طاولة التفاوض. نحن الآن في قلب مواجهة بين منطقين: منطق الدولة الذي يحاول الرئيس عون ترميمه، ومنطق الحروب الإلهية الذي يرى في أي مساس برموزه الرمزية خطا أحمر. إن التخوف الحقيقي اليوم هو أن يتحول هذا التحريض الممنهج والرسائل الأمنية القادمة من تل أبيب إلى حقيقة ميدانية تشعل فتنة طائفية تحرق الأخضر واليابس. فإذا شعر أي طرف بأن تسويات فلوريدا تطبخ على أنقاض كرامته العقائدية أو تهدف لعزله واغتياله سياسيا فقد يدفع ذلك البلاد نحو انتحار جماعي في حرب أهلية جديدة حيث يهرب الجميع من فخاخ التفاوض إلى جحيم المواجهة الشاملة هربا من استحقاقات سيادية يرفض الميدان المقايضة عليها. في المحصلة لا يمكن فصل زلزال فلوريدا عن التعثر العميق في قنوات التواصل بين واشنطن وطهران ففي ظل المواجهة المباشرة التي تصاعدت منذ مارس الماضي، يبدو أن لبنان قد اختير ليكون صندوق البريد الأكثر دموية لتصفية الحسابات الإقليمية. وهنا يبقى السؤال الاستشرافي الأهم: هل تنجح ضغوط ترامب في إبقاء بيروت محايدة عبر إلزام نتنياهو بحدود الضربات الجراحية فقط؟ الواقعية السياسية تقول إن زلزال فلوريدا سيعيد رسم خريطة النفوذ بالكامل، فإما أن تنجح اللعبة ذات المستويين في إنتاج اتفاق قيصري يحمي ما تبقى من سيادة بضمانات دولية، أو أن تظل فتنة الطيور وارتدادات بكركي هي الشرارة التي تشعل عودة الحرب الشاملة. إن فشل الدبلوماسية الوقائية في ردم الهوة بين قدسية السلاح ومنطق الدولة يعني أننا لسنا أمام نهاية للحرب، بل في مجرد استراحة محارب هشة، بانتظار لحظة الارتطام الكبير التي قد تطيح بكل طاولات التفاوض وتعيدنا إلى المربع الأول من الدمار والتشرد.
