هذا الإغراق في القلق الإسرائيلي’المفاجئ لا يقرأ في بيروت إلا كصاعق تفجير للفتنة الأهلية، وهدفه دفع عون نحو طاولة نتنياهو بذريعة الحماية من شركاء الداخل هذا السيناريو يتقاطع بشكل مرعب مع الغليان الذي أعقب تقرير قناة lbc وما نتج عنه من ردود فعل رمزية حادة صورت المقامات الدينية (لاسيما بكركي) كـ طيور غاضبة مما يضع لبنان أمام معضلة أمنية وجودية حيث تحول المحتوى الإعلامي والتحذيرات الأمنية الملغومة إلى أدوات لـ اقتحام السلم الأهلي وتفتيت الجبهة الداخلية قبل وصول عون إلى طاولة التفاوض.
نحن الآن في قلب مواجهة بين منطقين: منطق الدولة الذي يحاول الرئيس عون ترميمه، ومنطق الحروب الإلهية الذي يرى في أي مساس برموزه الرمزية خطا أحمر. إن التخوف الحقيقي اليوم هو أن يتحول هذا التحريض الممنهج والرسائل الأمنية القادمة من تل أبيب إلى حقيقة ميدانية تشعل فتنة طائفية تحرق الأخضر واليابس. فإذا شعر أي طرف بأن تسويات فلوريدا تطبخ على أنقاض كرامته العقائدية أو تهدف لعزله واغتياله سياسيا فقد يدفع ذلك البلاد نحو انتحار جماعي في حرب أهلية جديدة حيث يهرب الجميع من فخاخ التفاوض إلى جحيم المواجهة الشاملة هربا من استحقاقات سيادية يرفض الميدان المقايضة عليها.
في المحصلة لا يمكن فصل زلزال فلوريدا عن التعثر العميق في قنوات التواصل بين واشنطن وطهران ففي ظل المواجهة المباشرة التي تصاعدت منذ مارس الماضي، يبدو أن لبنان قد اختير ليكون صندوق البريد الأكثر دموية لتصفية الحسابات الإقليمية. وهنا يبقى السؤال الاستشرافي الأهم: هل تنجح ضغوط ترامب في إبقاء بيروت محايدة عبر إلزام نتنياهو بحدود الضربات الجراحية فقط؟
الواقعية السياسية تقول إن زلزال فلوريدا سيعيد رسم خريطة النفوذ بالكامل، فإما أن تنجح اللعبة ذات المستويين في إنتاج اتفاق قيصري يحمي ما تبقى من سيادة بضمانات دولية، أو أن تظل فتنة الطيور وارتدادات بكركي هي الشرارة التي تشعل عودة الحرب الشاملة. إن فشل الدبلوماسية الوقائية في ردم الهوة بين قدسية السلاح ومنطق الدولة يعني أننا لسنا أمام نهاية للحرب، بل في مجرد استراحة محارب هشة، بانتظار لحظة الارتطام الكبير التي قد تطيح بكل طاولات التفاوض وتعيدنا إلى المربع الأول من الدمار والتشرد.
