ان الوضع الراهن للحرب بين تحالف إسرائيل – اميركا ضد إيران من جهة والحرب اللبنانية الإسرائيلية من جهة اخرى، بعد شهرين من اندلاعهما، يعيد تشكيل بنية التوازنات الإقليمية والدولية على نحو يشبه الستاتيكوالمعقّد، فإن أي جمود ظاهر وراءه شبكة من القيود المتبادلة، وتبادل للأدوار يجعل من الهدنة غطاءً لحوارٍ يسبق تفاوضاً كبيراً حول توزيع النفوذ في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
في هذا المناخ، تبدو إيران وكأنها تمسك بقدرين من الأوراق في مضيق هرمز وبخيوط تؤازر الاذرع سيما حزب الله في لبنان، في حين تحرص الولايات المتحدة وإسرائيل على تثبيت خطوط ردعهما وفرضهما لشروطها السياسية والاقتصادية على أطراف الصراع، لا تخلو الصورة من اصطدامٍ قسريٍ بالممارسات اليومية: خروقات أساسية في القصف وتدمير المنازل في الجنوب اللبناني، وتراشق السفن وتهديدات بحرية في مع إقفال موانئها في مضيق هرمز، لكنها تبقى ضمن دائرة اثبات الوجود و الردع المتبادَل، حيث لا تسمح هذه الردود الدقيقة بإحداث تحوّلٍ تام نحو تسويةٍ حاسمة قبل أن تُفتح أبواب المفاوضات الكبرى بين واشنطن وطهران، والتي تستضيفها مدينة إسلام آباد، وتفضي إلى أحد سيناريوهات ثلاثة اساسية لتحديد ملامح الإدارة الإقليمية والنفوذ ا في المنطقة.
قبل عرض السيناريوهات المحتملة نرى ان هذه الدينامية تتجلّى في ثلاث طبقات مترابطة: طبقة القُيود والردود المتبادلة و طبقة التوازنات والقواعد الإقليمية والدولية وطبقة الرهانات والقرارات السياسية التي ينتظرها القادة والمجتمع الدولي، في الطبقة الأولى إيران تقود لعبةً سياسيةً تُقيد الولايات المتحدة في تحركاتها عبر أذرعها الخارجية القوية، وأبرزها حزب الله والحوثيين والقدرة على تفعيل قوة نارية في من جنوب لبنان واليمن، من جانبها الولايات المتحدة تسعى إلى فرض معادلة ردعٍ تدفع بمكوّنات القوة إلى تفاهماتٍ تقودها إلى تقليص فاعلية إيران النووية وقطع الطريق على توسيع عمليات إيران في المنطقة، فيما إسرائيل تسعى إلى حماية خطوطها الحمراء في لبنان وفلسطين وتثبت وجودها كفاعلٍ إقليمي معتمد على دعمٍ أمريكي قوي، هذا التداخل يجعل الحرب حتى وإن كانت مقننة بالهدنة أقرب إلى سدّ دفاعي متبادل يحفظ لكل طرف من الأطراف قدرته على الردع والضغط أكثر من قدرته على التأثير في مآلات التفاوض.
أما في الطبقة الثانية، فتصل القواعد الدولية والتوازنات الإقليمية إلى مفترقٍ حاسم: المفاوضات المنتظرة في إسلام آباد ستكون اختباراً عملياً لمدى قدرة القوى الكبرى على إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية وتحديد خطوط النفوذ التي تعود عليها اقتصادات العالم ومصالحه الاستراتيجية. هنا يبرز سؤال مركزي: هل ستكون المفاوضات آلية لتفكيك بنية التدخل الإيراني عبر عزل الحزب في لبنان وتخفيف عبء باقي الاذرع العسكرية خارج الحدود؟ أم ستعيد توزيع الأدوار وتُخرج واشنطن من طموحاتها في تحجيم البرنامج النووي الإيراني بمقايضةٍ سياسية تقبل الأطراف الإقليمية التعايش معها؟ السيناريوهات التي سنطرحها هنا ليست فقط خيارات عسكرية أو دبلوماسية، بل هي صيغة لإعادة صياغة خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، وتحديد من يمسك بزمام المبادرة في مواجهة تحديات الأمن والطاقة والسياسة الدولية.
ثالثاً طبقة الرهانات الشخصية والسياسية: ترامب العائد إلى واجهة المشهد الأمريكي، يريـد إمساك طرف لبناني على طاولة المفاوضات كرافعة لاستدراج إيران إلى حوارٍ يجردها من قدرة التفاوض دون مقابل، في حين يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيمين نتنياهو إلى صورة صلبة تعكس حضور إسرائيل في سلسلة قراراتٍ دولية ومداولات حول الحروب التي شنتها خلال ثلاث سنوات ماضية، وهو يحلم بأن تتحول هذه الصورة إلى عنصرٍ ضغط سياسي على الأطراف الدولية لبلوغ نتائجٍ ملموسة، هذه الرهانات لا تُختصر في دبلوماسية عابرة فحسب، بل هي أداة ضغطٍ حقيقية تُشكّل محركاً للسياسات الكبرى وتُترجم إلى تكوينٍ أو تفكيكٍ تحالفاتٍ قائمة، بما يجعل الراي العام في المنطقة يتابع التطورات بقلقٍ مستمر حول مدى قدرة الأطراف الدولية على الوصول إلى إطارٍ تفاوضي متوازن يحفظ أمن الدول ويُعيد توزيع المصالح الحيوية.
والان وبعد اعلان ترامب إيقاف العملية العسكرية على ايران بعد انقضاء فترة الشهرين، هناك ٣ سيناريوهات محتملة لتحديد معالم الإدارة الإقليمية وتوزيع النفوذ:
السيناريو الأول:
التسوية على تسليم سلاح الحزب مقابل انسحاب إسرائيل من لبنان و رفع العقوبات وترتيب برنامج نووي مقبول لإيران مع ورقة لبنانية سياسية بين إيران والسعودية وأميركا، هذا السيناريو يعني تفكيكاً لآلية التوازن الداخلي في لبنان كمدخل لتهدئة المنطقة، وتحديداً عبر تفكيك إحدى أقوى القوى غير الحكومية في لبنان، مقابل اعتراف ورفعٍ جزئي للعقوبات المفروضة على إيران، وتقدم في ملف البرنامج النووي الإيراني، كما يتطلّب هذا السيناريو إطاراً سياسياً يربط لبنان باستقرار دولي واقليمي عبر منظومة تفاهمات تشمل إيران والسعودية وأمريكا، بما يفتح مساراً لمفاوضاتٍ أوسع، من الناحية الواقعية، يصطدم هذا المسار بعراقيل داخلية في لبنان، إذ أن تحويل لبنان إلى إطارٍ سياسيٍ مُدار باتفاقٍ دوليٍ قد يثير مخاوف قوى لبنانية داخلية من فقدان الوزن السياسي والقدرة على المناورة، فضلاً عن ذلك، سيواجه الإيرانيون تحدياً في اختبار مدى قبول القوى الإقليمية الأخرى لهذا الترتيب، خصوصاً أن رفع العقوبات ليس شرطاً سهلاً على واشنطن أو طهران دون ضمانات حقيقية بأن لبنان سيحتفظ باستقرارٍ سياسي وأمني.
بالمفارقة و في تلك الأحوال، ما يريده ترامب من الرئيس جوزيف عون في واشنطن استخدامه كقناةٌ لاستدراج القرارات الكبرى في اميركا نحو مسار تفاوضي يرفع من حظوظ إدارة ترامب في امتلاك ورقة لبنانية موثوقة لعرضها في جولات المفاوضات مع إيران، أما ما يريده نتنياهو من لقاء جوزيف عون في واشنطن، فربما يتجاوز مجرد لقاء رسمي إلى محاولة الحصول على صورة قوية تُستخدم كرصيد سياسيٍ له بعد ٣ سنوات حروب في الشرق الأوسط ( في فلسطين أو لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن أو إيران ) يريد ان يظهر بشيء انه فعل شيئاً و غير في الارادات في اعند ورقة من أوراق الشرق الأوسط، فيحفّز المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية على منح إسرائيل قدرة أكبر على المناورة وتحقيق أهدافها، الصورة هنا ليست مجرد رياح سياسية، بل أداةٌ للعودة بمشهد انجاز تغييري لتثبيت وجودٍ سياسيٍ له.
السيناريو الثاني:
انسحاب أميركا من المنطقة دون اتفاق وبداية معارك وفوضى داخلية وحدودية في لبنان وسوريا والعراق وايران وجوارها الشرقي ومع الخليج، مع ترك قرار إدارة الشرق الأوسط لما بعد انتهاء الحروب الداخلية، هذا السيناريو يعيد والشرق الأوسط إلى دوامة الفوضى الداخلية أكثر من أي وقت مضى، في هذه الصورة تتراجع واشنطن عن تماسكها الإقليمي وتترك ساحة المنطقة لإعادة توزيع قوى محلية، بما في ذلك لبنان وسوريا والعراق والخليج، وتفتح أبواب صراعاتٍ داخلية قد تكون أكثر تعقيداً من المواجهات الخارجية المباشرة.
ففي لبنان، قد تتعزز القوى السياسية المتحالفة مع إيران من أجل حماية مواقعها في وجه قوى مسيحية و سنية موالية إلى حدٍّ ما من قوى إقليمية أخرى. اما في سوريا والعراق، قد يستعيد محور إيران وحلفائها القدرة على فرض حقائق ميدانية على الأرض، وهو ما قد يقود إلى إحياء صراعٍ داخلي أو استمرار التنازلات السياسية في مسألة الاستقرار والوجود الأميركي هناك، في الخليج، قد يتصاعد الجمود العسكري على نحو يفرض إعادة توزيع للجهود الاستراتيجية والموارد، وتبرز أسئلة حول مدى قدرة الدول الخليجية على حماية مصالحها بمفردها إذا انسحب الأميركيون من إطار الترتيب الإقليمي.
هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطرٍ كبيرة: فبدلاً من تقليص النفوذ الإيراني أو تحسين شروط لبنان، قد يتفاقم التنافس الإقليمي والاقتتال بين فصائل محلية وتواجه المنطقة حالة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي المستمر، كما أن خروج الولايات المتحدة من المنطقة لترك القرار لما بعد الحروب الداخلية قد يؤدي إلى فراغٍ أمنيٍ يملؤه قوى إقليمية أخرى، ما يجعل العوائد السياسية لهذا الخروج مسألةً قابلة للتلاعب من قبل دولٍ تسعى إلى ترسيخ وجودها في المنطقة بطرق قد تكون غير مرضية للدول الأوروبية وأمريكا في الوقت نفسه، في هذه الحالة ستكون المؤسسات اللبنانية واللبنانيون أمام اختبارٍ قاسي: هل يمكن للمؤسسات القائمة أن تبقى مركزاً للاستقرار في ظل فراغٍ أمنيٍ سياسي، أم ستنهار مع اندفاع قوى جديدة إلى السلطة وتحوّل لبنان إلى ساحة صراعٍ مفتوحة؟ وفي المحصلة، إن لم يكن هناك إطار تفاوضي يحافظ على شيء من الاستقرار في لبنان والمنطقة، فإن هذا السيناريو قد يفتح باباً لانزلاقٍ إلى صراعاتٍ داخلية أكثر عمقاً وربما إلى إعادة تدوير لسياسات الشرق الأوسط من منظور مختلف تماماً، وربما نحتاج الى ويست فاليا شرقية في حروب قد تتجاوز عقود.
السيناريو الثالث:
إبقاء إيران على اذرعها في المنطقة لكن دون الأنظمة ، ذلك مقابل تخليها عن البرنامج النووي واحادية إدارة مضيق هرمز، قد يكون هذا السيناريو هو الأضعف لكنه ان حصل فهو يمثل تحالفاً استراتيجياً يسمح بإعادة توزيع النفوذ في المنطقة، بشرطٍ أن تتخلى إيران عن عناصر التهديد النووي وفرض الشراكة في مضيق هرمز، في هذا المسار قد تقبل إيران بخريطةٍ تقودها الولايات المتحدة عبر حلفائها الإقليميين، وتُعاد صياغة علاقة تلزمها بالحدود والقنوات البحرية والأمنية، بينما تحصل إيران على تخفيف جزئي للعقوبات وتفهمٍ دوليٍ لمصالحها في المنطقة.
من جهة أخرى، ستتطلب هذه الصفقة قبولاً إيرانياً بحدود جديدة لقدراتها النووية وإطاراً زمنياً وملزماً لوقف برامج التخصيب وتفكيك جزء من هياكلها العسكرية غير التقليدية، أما في لبنان، فقد تُفتح مسارات رسمية وشكلية للحوار مع إسرائيل وتُعاد صياغة العلاقات بين لبنان والسعودية والدول العربية، بما يخفف من حدة الاحتقان السياسي الداخلي في لبنان وربما يخلق أرضيةً لتسهيل التحول إلى تفاهمٍ أوسع في المنطقة.
لكن هذا السيناريو يتوازى مع شرطين حاسمين: أولاً، مدى تقبل إيران لتنازلاتٍ نوويةٍ قد تؤثر في صورتها الإقليمية وامتداداتها السياسية، وثانياً، قدرة الولايات المتحدة على فرض ضماناتٍ كافية لإيران من جهة، وتوفير إطارٍ سياسيٍ مقبول للدول العربية والإسرائيلية من جهة أخرى، فإذا تحقق هذا المسار قد يتغير شكل التوازن الإقليمي بشكلٍ ملموس، وتظهر في الأفق إشاراتٌ إلى إمكانية ظهور نوع من الهدنة الأمنية بين إسرائيل وبقية الدول العربية، مع التزامٍ أمريكي واضح بتوفير الأمن والتنسيق العسكري والاقتصادي.
فما يجب مراقبته خلال الأسابيع المقبلة يكمن في مراقبة وتيرة وجدية المفاوضات في إسلام آباد: هل ستنطلق العملية فعلاً أم ستبقى شعارات و مجاذبات تكتيكية؟ متابعة مدى التزام الأطراف اللبنانية بتجنيب لبنان مخاطر التفكك الداخلي أو الانزلاق إلى صراعات محلية تتوزع فيها المحاور الإقليمية والدولية، مراقبة نطاق أي رفع جزئي للعقوبات على إيران وكيف ستُدار عملية التقدم النووي وما إذا كان هناك إطار زمني واضح للحد من التخصيب وتفكيك بعض المنظومات العسكرية غير التقليدية، إضافة الى استجابة الخليج والدول العربية للمسارات التفاوضية المرتبطة بإيران، ومدى قبولها بتسوية تقود إلى إعادة تنظيم التحالفات وتحديد أطر التعاون الأمني والاقتصادي والإعتماد على الولايات المتحدة كضامن رئيسي.
