د.سارة قوراري
لم تكن عبارة “السلام عليكم” التي افتتح بها البابا لاوُن الرابع عشر زيارته إلى الجزائر مجرد تحية دبلوماسية، بل إعلانا رمزيا مكثفا عن طبيعة لحظة دولية تبحث عن معنى. ففي عالم تتصاعد فيه الحروب وتتعاظم فيه فجوات الفهم، جاءت هذه العبارة لتؤسس لمدخل مختلف: السلام بوصفه فعلا سياسيا، لا مجرد قيمة أخلاقية. ومن الجزائر تحديدا، استهلّ الحبر الأعظم جولته الإفريقية، في اختيار لا يخلو من دلالة، يعكس إدراكا لموقع هذا البلد في تقاطعات التاريخ والجغرافيا والدين.
من الذاكرة إلى الجغرافيا: الجزائر كفضاء للمعنى
حين وقف البابا أمام مقام الشهيد، لم يكن ذلك مجرّد تكريم لذاكرة وطنية، بل إعادة إدراج للتاريخ في معادلة الحاضر. فهذه الأرض التي عرفت الاستعمار والمقاومة، ثم الألم والتجاوز، تُقدم اليوم بوصفها نموذجا لقدرة الشعوب على تحويل الذاكرة من عبءٍ إلى مورد رمزي.
وفي هذا السياق، لم يكن حديث البابا عن الجزائر كـ”ملتقى للثقافات والأديان” مجاملة خطابية، بل توصيفا لوظيفة حضارية متجذرة، حيث يشكّل الاحترام المتبادل، كما قال، “الطريق الذي يمكّن الشعوب من السير معا”. هنا، تتحول الجزائر من مجرد دولة إلى فكرة: فضاء يمكن أن تُختبر فيه إمكانية التعايش في زمن الانقسام.
أوغسطينوس: استعادة العمق الفلسفي
لا يمكن فهم البعد العميق لهذه الزيارة دون استحضار الإرث الفكري الذي تمثله الجزائر في الوعي المسيحي العالمي. فالانتماء الروحي الذي عبّر عنه البابا لأوغسطينوس، الذي عاش وأسّس فكره في عنابة، يعيد وضع الجزائر في قلب التاريخ الفكري الغربي، لا على هامشه. لقد كان أوغسطين أحد أوائل من صاغوا إشكالية العلاقة بين الإيمان والعقل، وهي الإشكالية التي لا تزال تحكم النقاشات المعاصرة حول الدين والحداثة. ومن هنا، فإن زيارة عنابة ليست محطة روحية فحسب، بل إعادة وصل بين زمنين: زمن إنتاج الفكرة، وزمن الحاجة إلى استعادتها.
الأمير عبد القادر: حين تتحول الأخلاق إلى سياسة
إذا كان أوغسطين يمثل البعد الفكري، فإن الأمير عبد القادر يجسد الامتحان العملي للقيم. ففي دمشق عام 1860، وفي خضم اضطرابات طائفية دامية، اختار الأمير الجزائري أن يحمي آلاف المسيحيين، مقدما نموذجا فريدا في ترجمة الدين إلى فعل إنساني.
هذه الحادثة، التي تجاوزت سياقها الزمني، تؤسس لما يمكن تسميته اليوم بـ”الأخلاق السياسية”، حيث لا يُقاس الفعل بميزان القوة، بل بميزان القيم. ومن هذا المنظور، فإن استحضار الأمير في سياق الزيارة ليس مجرد استعادة تاريخية، بل تأكيد على أن التعايش في الجزائر ليس خطابا طارئا٬ بل بنية راسخة في الوعي الوطني.
رمزية الفضاء وترتيب الرسائل:
يكشف البرنامج الرسمي للزيارة عن بناء دقيق لما يمكن وصفه بـ”الهندسة الرمزية”. فالانتقال من مقام الشهيد إلى جامع الجزائر، ثم إلى كنيسة السيدة الإفريقية، لم يكن ترتيبا عفويا٬ بل صياغة متدرجة لرسالة متعددة الأبعاد:
* الذاكرة الوطنية كقاعدة للشرعية
* الدين كفضاء للقاء لا للصراع
* التعددية كواقع قابل للإدارة
هذا الترتيب يعكس فهما عميقا لدور الرمزية في السياسة، حيث تتحول الأماكن إلى نصوص، والزيارات إلى خطابات غير مكتوبة.
التعايش كخيار استراتيجي:
في بلد يضم أغلبية مسلمة وأقلية كاثوليكية محدودة، لا يُفهم الاستقرار الديني بوصفه نتيجة للتركيبة السكانية، بل كخيار سياسي– ثقافي. وقد أشار البابا بوضوح إلى أن “ثقافة اللقاء والمصالحة” في الجزائر ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية.
وفي السياق ذاته، أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن بلاده ترى في إرث أوغسطين والأمير عبد القادر تعبيرا عن تقليد تاريخي في الدفاع عن العدالة والتلاقي الإنساني، في ربطٍ ذكي بين الماضي والحاضر، وبين الهوية والسياسة.
من العنف إلى المصالحة: إدارة الذاكرة
لم تغب عن الزيارة ذاكرة التسعينيات الجزائرية٬ حيث تم إحياء ذكرى ضحايا العشرية السوداء، ومن بينهم رجال دين كاثوليك سقطوا في سياق صراع دموي. غير أن استحضار هذه المرحلة جاء ضمن مقاربة تصالحية، تعيد تأطير الألم كعنصر من عناصر بناء المستقبل. إن هذا التحول من ذاكرة الصراع إلى ذاكرة التعايش يمثل أحد أهم مصادر الشرعية الرمزية التي توظفها الجزائر في خطابها الداخلي والخارجي.
الدبلوماسية الروحية في عالم مضطرب:
تأتي هذه الزيارة في سياق دولي بالغ التعقيد، حيث تتصاعد التوترات، لا سيما بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية٬ وتتفاقم الأزمات في الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، يكتسب خطاب البابا، الذي شدد على ضرورة إنهاء الحروب واعتماد الحوار، بعدا يتجاوز الدين ليصل إلى صلب العلاقات الدولية.
هنا، تتجلى ملامح “الدبلوماسية الروحية”، حيث يسعى الفاعل الديني إلى إعادة إدخال البعد الأخلاقي في النظام الدولي، في مواجهة منطق القوة الصلبة. وتبدو الجزائر، من خلال استضافتها لهذه الرسالة، كفضاء ملائم لهذا النوع من الوساطة الرمزية.
القوة الناعمة وإعادة التموضع:
لا تنفصل هذه الزيارة عن مسار أوسع تعمل من خلاله الجزائر على إعادة تموضعها في النظام الدولي، عبر أدوات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. فالحديث عن “القوة الناعمة” هنا ليس توصيفا نظريا٬ بل واقع يتجلى في القدرة على استضافة حدث ذي رمزية عالمية.
ويتقاطع هذا المسار مع تحولات اقتصادية، لا سيما في قطاع الطاقة، حيث عززت الجزائر شراكاتها مع إيطاليا، ما يمنحها موقعا متقدما في معادلات الأمن الطاقوي الأوروبي. هذا التداخل بين الرمزي والمادي يعكس فهما حديثا لأدوات التأثير في العلاقات الدولية.
في المحصلة، لا يمكن اختزال زيارة البابا لاوُن الرابع عشر إلى الجزائر في بعدها البروتوكولي أو الديني. إنها لحظة كاشفة لتحول أعمق، حيث تتقدم الجزائر بوصفها نموذجا لإمكانية التوفيق بين الهوية والانفتاح، بين الذاكرة والمستقبل، وبين الدين والسياسة.
ومن أوغسطين، الذي صاغ أسئلة الوجود، إلى الأمير عبد القادر، الذي جسّد أخلاق التعايش، وصولا إلى الدولة الجزائرية المعاصرة، يتشكل مسار حضاري متصل يقدّم إجابة مختلفة على سؤال العالم اليوم: كيف يمكن إدارة الاختلاف دون الوقوع في الصراع؟
في زمن تتزايد فيه الحروب وتتعاظم فيه سوء الفهم، تبدو هذه الزيارة وكأنها تذكير هادئ، لكن عميق، بأن السلام ليس مجرد خطاب، بل بنية تاريخية وثقافية يمكن بناؤها… إذا توفرت الإرادة.
