تُعدّ مسألة التفاوض مع إسرائيل من القضايا الإشكالية ذات الطابع السيادي في الحياة السياسية اللبنانية، نظرًا لتداخل أبعادها الدستورية والقانونية مع الخصوصية البنيوية للنظام السياسي القائم على التوافق. وتزداد أهمية هذا الموضوع في ظل غياب أي إشارة صريحة إليه في البيان الوزاري للحكومة، وكذلك في قسم رئيس الجمهورية، ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود التفويض السياسي الممنوح للسلطة التنفيذية، وإمكانية طرح هذا الملف خارج الأطر الدستورية والمؤسساتية المحددة.
إنّ البيان الوزاري، بوصفه الوثيقة التي تنال الحكومة على أساسها ثقة المجلس النيابي، يشكّل إطارًا سياسيًا ناظمًا لعملها ويحدّد توجهاتها العامة. كما أنّ قسم رئيس الجمهورية يكرّس التزامه احترام الدستور والحفاظ على سيادة الدولة واستقلالها. وفي ضوء ذلك، فإنّ خلو هاتين المرجعيتين من أي طرح يتعلق بالتفاوض أو السلام مع إسرائيل يشير إلى غياب غطاء سياسي مسبق لهذا الخيار، ما يجعل أي محاولة لإثارته لاحقًا تستوجب تعزيز شرعيته عبر المؤسسات الدستورية، وفي مقدّمها المجلس النيابي، ضمن سياق وطني جامع يرتكز على التوافق.
ولا يمكن النظر إلى مسألة التفاوض مع إسرائيل باعتبارها من ضمن القرارات السياسية العادية، بل هي مسألة مصيرية تمسّ موقع لبنان وخياراته السيادية. فمثل هذا القرار يتجاوز البعد التنفيذي ليطال جوهر الهوية السياسية للدولة، ما يفرض مقاربته ضمن مسار دستوري قائم على التوافق الوطني، لا على المبادرات الأحادية.
يندرج ذلك ضمن طبيعة النظام السياسي اللبناني القائم على التوازن بين المكوّنات، حيث لا يمكن اتخاذ قرار بهذا الحجم خارج إطار السلطة التنفيذية مجتمعة، أي مجلس الوزراء، وبما يعكس مبدأ الشراكة. وعليه، فإنّ أي توجه نحو التفاوض لا يمكن أن يتمّ إلا ضمن غطاء وطني واسع يعبّر عن إرادة جماعية، لا عن قرار سياسي منفرد.
إلى جانب ذلك، يشكّل قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 ركيزة قانونية أساسية في تنظيم العلاقة مع هذا الكيان، إذ يفرض قيودًا صارمة على أشكال التعامل والتطبيع. ورغم أنّه لا ينص صراحة على حظر التفاوض السياسي، إلا أنّ أي طرح للتفاوض المباشر قد يتعارض مع روحيته وإطاره العام، ما يفرض، في حال الانتقال إلى هذا المسار، معالجة هذا التعارض عبر المجلس النيابي، ضمن آلية تشريعية واضحة.
ولا ينفصل هذا الإطار القانوني عن البعد الميثاقي، حيث يقوم النظام اللبناني على التوافق كشرط لشرعية القرارات الكبرى. ومن هنا، فإنّ أي مقاربة لمسألة التفاوض خارج هذا التوافق قد تؤدي إلى خلل في التوازن الداخلي، وتطرح إشكاليات تتعلق بشرعية القرار واستمراريته.
وفي هذا السياق، يبرز الحوار الوطني كأداة أساسية لإنتاج هذا التوافق، باعتباره الإطار القادر على استيعاب التباينات السياسية وصياغة مقاربة مشتركة. فالتعامل مع هذا الملف لا يمكن أن يتمّ بمعزل عن إرادة وطنية جامعة، تضمن الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي.
بناءً على ما تقدّم، يتبيّن أنّ مسألة التفاوض مع إسرائيل في لبنان هي قضية مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الدستورية والقانونية والميثاقية، وفي مقدّمها قانون مقاطعة إسرائيل ومبدأ التوافق الوطني. وعليه، فإنّ أي طرح بهذا الاتجاه خارج إطار المؤسسات الدستورية والإجماع الوطني يُعدّ إشكاليًا من حيث الشرعية، ما يجعل التوافق الوطني المدخل الأساس لأي مقاربة محتملة لهذا الملف.
