حيدر حيدرة-الجزائر

في جو ربيعي بارد و ممطر و تحت سماء رمادية مليئة بالغيوم وفي اجواء احتفالية مميزة، تستعد الجزائر لاستقبال بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر اليوم في زيارة تاريخيّة هي الأولى لرأس الكنيسة الكاثوليكية لهذا البلد المسلم و التي ستكون المحطة الأولى في جولة إفريقية للبابا لثلاثة دول أفريقية أخرى.
البابا ليون يصل صباحًا إلى مطار الجزائر و بعد مراسم الاستقبال يتوجه مباشرة إلى مقام الشهيد حيث يضع إكليلا من الورد في رسالة سياسية هامة و اعترافاً بتضحيات الشعب الجزائري طوال فترة الاستعمار الفرنسي. يتوجه من بعدها إلى قصر الرئاسة الذي يبعد مئات الأمتار عن مقام الشهيد ويستقبله الرئيس عبد المجيد تبون رسميا على أن يتبع ذلك محادثات رسمية خاصة و موسعة تبحث آفاق توسيع وتطوير العلاقات بين الجزائر و الفاتيكان.
ومساء اليوم اليوم الأول هذا، يقوم البابا بزيارة للجامع الأعظم حيث سيلتقي ممثلي المجتمع المدني و ممثلي السلك الدبلوماسي المعتمد في الجزائر ، ويواصل جولته داخل اجنحة الجامع الكبير الذي يعتبر ثالث أكبر جامع في العالم. و في المساء يقيم قداسا و لقاء مع جماعة من المؤمنين في كنيسة سيدة أفريقيا في حي بوزريعة المشرف على أحياء العاصمة الجزائرية الغربية.
يوم الثلاثاء سيتوجه البابا بطائرة إلى مدينة عنابة لزيارة بعض الأماكن الآثارية التي لها علاقة بحياة سانت أوغستين ويقيم قدّاسًا في الكنيسة الكاثوليكية هناك على أن يعود مساءً إلى مقر إقامته في السفارة الباباوية في العاصمة على أن يغادر صباح الأربعاء إلى ياوندي العاصمة الكاميرونية لمتابعة جولته الأفريقية.
السفير و المفكر الجزائري مصطفى شريف قال إن هذه الزيارة تعكس إدراكا متزايدا لدور الجزائر كفاعل يسعى إلى تعزيز السلم العالمي وتعمل على ترسيخ خطاب الحوار و التقارب في ظل التحولات التي يشهدها العالم في هذه الفترة.
السفير شريف ، الذي التقى سابقا العديد من البابوات، اعتبر الزيارة محطة مهمة في مسار الحوار الإسلامي المسيحي مؤكدا أن التعايش ليس خيارا ظرفيا بل ضرورة إنسانية دائمة.
من جانبه الأمين العام لرابطة علماء دول الساحل السيد لخميسي بزاز قال إن الزيارة تحمل دلالات عميقة و تتجاوز الأبعاد الدينية لتُشكّل حدثا سياسيا و دبلوماسيا بارزا ، وأضاف في لقاء مع وكالة الأنباء الجزائرية ان الجزائر تحمل قيمة حضارية وإنسانية عميقة مما يجعلها مصدرا للاتساع الفكري مستدلاً في ذلك بشخصية القديس أوغستين الذي ترك تراثا يحتلّ مكانة مرموقة في العديد من دول العالم.
و في السياق نفسه يستعرض السيد بزاز شخصية الأمير عبد القادر الذي وقف لسنوات طويلة في مواجهة الاستعمار الفرنسي كما برز بموقفه الإنساني العظيم في سوريا لحماية المسيحيين في الفتنة الكبرى التي وقعت في عام 1860 مما يثبت أن هذه الأرض أنجبت عظماء قدموا الكثير للإنسانية جمعاء.
رئيس أساقفة الجزائر الكاردينال جون بول فيسكو قال إن الزيارة تحمل رسالة إنسانية و روحية خالصة و بدون أجندات مخفية و تعيد إلى الواجهة الدينية والتاريخية مكانة القديس أوغيستين الذي ولد وعاش في الجزائر إضافة إلى إبراز صورة الجزائر كبلد للانفتاح و الحوار.
أما الرئيس عبد المجيد تبون فيعتبر الزيارة شرفا للجزائر و يحرص شخصيا على إنجاحها على كل المستويات.
ترحيب غربي و استياء يميني فرنسي لزيارة البابا
في الوقت الذي تحدثت فيه أغلب الصحافة العالمية في بريطانيا و حتى في واشنطن عن أهمية هذه الزيارة من حيث البعد المتعلق بحوار الأديان في حوض البحر المتوسط و ضرورة سيادة فكر التسامح بين الأديان و الشعوب، لم تسجل الصحافة الفرنسية و خاصة القريبة من اليمين أي معالجة موضوعية للزيارة مشيرة أنها محاولة لتبييض صورة النظام الجزائري و الذي حبّ رأيهم بقمع الحريات الدينية في الجزائر لكن جريدة Le Monde سلطت الضوء على البعد الدبلوماسي للزيارة مشيرة أنها تعاكس رغبة الفاتيكان في اعادة التوازن لعلاقاتها مع العالم الإسلامي من خلال تفضيل الشركاء الذين يُنظر إليهم على أنهم مستقرون مؤكدة أن اختيار الجزائر كوجهة أولى للبابا في المنطقة المغاربية يأتي اعترافا من زعيم العالم الكاثوليكي بثقل وزنها و أهميتها على المستوى القاري و العالمي
في جولة لنا على شوارع العاصمة الجزائرية و خاصة الأحياء التي يزورها البابا يظهر بوضوح التجهيزات الكبيرة التي ما زالت متواصلة لمئات العمال في الشوارع إضافة إلى العناصر الأمنية المتواجدة بكثافة في كل شوارع وأزقة العاصمة من اجل ان تمر هذه الزيارة بسلام و أمان.
