تستعد الجزائر في الأيام القليلة القادمة لاستقبال البابا ليو الرابع عشر في زيارة أقل ما يُقال عنها إنها تاريخية، وتحمل معها الكثير من الرسائل الروحية والسياسية والدينية، خاصة أنها تذكّر بأن الجزائر تُعد مهد القديس أوغستين، أحد أكبر أحبار المسيحية في التاريخ الكنسي، وهي شخصية يُبدي بابا الفاتيكان الجديد تأثرًا كبيرًا بها.
تحضيرات الاستقبال وبرنامج الزيارة التي ستدوم ثلاثة أيام، من 13 حتى 15 نيسان (أفريل) الحالي، يشرف عليها مباشرة الرئيس عبد المجيد تبون، الذي ترأس منذ أيام فقط، في مقر رئاسة الجمهورية بالمرادية، اجتماعًا حضره كبار المسؤولين الأمنيين على مستوى الجيش والدرك والمخابرات، إضافة إلى بعض الوزراء المعنيين مباشرة بالزيارة ومسؤولي البروتوكول، وهو ما يُظهر الاهتمام الكبير الذي توليه الجزائر، والرئيس تبون شخصيًا، لهذه الزيارة التاريخية، والأولى لمنطقة المغرب العربي ذات الأغلبية المسلمة، والتي تريدها الجزائر انفتاحًا واحترامًا للديانة المسيحية، وردًا على الانتقادات المتكررة التي توجهها بعض الدول الغربية للجزائر بشأن حرية الأديان.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد صنّفت الجزائر ضمن قائمة المراقبة الخاصة، في أحدث تقريرها الصادر في بداية السنة الحالية، إلى جانب أربع دول أخرى، بسبب ما أسمته انتهاكات جسيمة لحرية الأديان. كما أبدى برلمانيون أوروبيون، وخاصة فرنسيون، قلقهم إزاء إغلاق بعض الكنائس وتضييق السلطات على ممارسة الشعائر المسيحية. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الجزائر خرجت من عشرية سوداء دموية، وكانت فيها المؤسسات الدينية أحيانًا مدخلًا للتطرف والتمويل المشبوه. ومن هذه الزاوية، يبدو قرار إغلاق المراكز الدينية غير المرخصة، التي تتلقى تمويلًا مجهول المصدر، إجراءً أمنيًا لا يختلف جوهريًا عما تنتهجه بعض الدول الغربية في مراقبة المساجد والجمعيات ذات التمويل الأجنبي.
وللتذكير في هذا المجال، لم يُسجل في الجزائر أي موجة اضطهاد منظم للمسيحيين المقيمين فيها، والذين يمارسون شعائرهم بحرية داخل الكنائس المرخصة. وهذا التمييز الدقيق بين حماية الحرية الدينية الفردية وضبط النشاط التبشيري المنظم هو ما تغفله التقارير الغربية عن سابق إصرار وتصميم، مما قد يجعل تصنيف الجزائر في قوائم الدول المثيرة للقلق تصنيفًا مسيّسًا أكثر من كونه موضوعيًا.
وربما يجدر الحديث هنا عما كشفه رئيس أساقفة الجزائر، جون بيار فيسكو، بأن السلطات الجزائرية رفضت السماح للكنيسة في الجزائر بإقامة احتفالية بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لولادة الكاردينال لافيرجي (Lavigerie)، مؤسس الآباء البيض في الجزائر، بسبب مواقفه المؤيدة للاستعمار الفرنسي، وأيضًا تأسيسه لمدرسة الآباء البيض ومساعيه للتبشير بين أوساط الشعب الجزائري. وقد أقدمت السلطات الجزائرية، مباشرة بعد الاستقلال، على هدم هذه المدرسة، وأُقيم مكانها حاليًا الجامع الأعظم، وهو ثالث أكبر جامع في العالم، والذي سيكون محطة من محطات زيارة البابا. والأكيد أن اختيار الجزائر لهذه المحطة له دلالات سياسية ودينية كبيرة.
برنامج الزيارة:
أسقف الجزائر، جون بيار فيسكو، والذي منحه الرئيس تبون الجنسية الجزائرية بعد سنوات طويلة من الخدمة في الجزائر، كشف عن أهم محطات الزيارة، بداية من لقاء خاص مع الرئيس عبد المجيد تبون، ثم وضع إكليل من الزهر على نصب الجندي، وزيارة للجامع الكبير في العاصمة الجزائرية. وفي مساء اليوم الأول سيُقام قداس في كنيسة السيدة الإفريقية بأعالي العاصمة الجزائرية، يحضره المئات من الجاليات الأجنبية المسيحية العاملين في الجزائر، ومن بينهم العديد من أفراد الجالية اللبنانية. وبالتالي، لم يُعرف بعد ما إذا كانت كلمة البابا في القداس ستتضمن لفتة لما يواجهه الشعب اللبناني من اعتداءات إسرائيلية على مساحة كل لبنان، وأيضًا ما يواجهه الشعب الفلسطيني من حرب إبادة من آلة القتل الإسرائيلية.
وفي اليوم الثاني من الزيارة، سيتوجه البابا إلى مدينة عنابة، التي تحتضن كنيسة القديس أوغستين. ومن المعروف أن البابا متأثر بهذه الشخصية، وكان قد صرح، بمجرد تنصيبه على رأس الكنيسة الكاثوليكية في أيار 2025، أن “أوغستين هو المنهج”. هذه الكلمات فجّرت موجة من الاهتمام العالمي بأوغستين، الذي عاش قبل 16 قرنًا في الجزائر، وأثر بفكره اللاهوتي والفلسفي في مجمل الفكر المسيحي الغربي. وهو الذي عاش بين عامي 354 و430 ميلاديًا، ويُعد أحد أبرز رموز الفكر المسيحي والفلسفي في التاريخ. وُلد في مدينة طاغاست، التي تقع اليوم ضمن ولاية سوق أهراس بالشرق الجزائري، وعاش فترة كبيرة من حياته في مدينة هيبون، التي تُعرف الآن بعنابة. ويُعتبر أوغستين أحد آباء الكنيسة اللاتينية الأربعة، وكان له تأثير عميق في صياغة العقيدة والفكر المسيحيين، حيث جمع بين العقلانية الفلسفية المتأثرة بأفلاطون وأفكار الدين المسيحي، فصاغ رؤية لاهوتية ما زالت تُدرس حتى اليوم في كبرى الجامعات والمعاهد الدينية.
الأمين العام السابق للمجلس الإسلامي، الدكتور بومدين بوزيد، كتب أن الزيارة تمثل حدثًا تاريخيًا بارزًا، وأن زيارة عنابة تمثل حجًا مقدسًا يستحضر مسار الحج المسيحي التاريخي إلى روما، مضيفًا أنها سوف تدفع نحو علاقة مثمرة بين الجزائر والفاتيكان من أجل الدفاع عن القضايا العادلة في العالم. وأضاف أن الجزائر لم تكن أبدًا في خصام مع المسيحيين، مستشهدًا بمواقف شخصيات كنسية كبرى ساندت الثورة الجزائرية حتى الاستقلال، على غرار الكاردينال ليون إتيان دوفال وهنري تيسيي.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة تيبازة، الدكتور فؤاد جدو، قال إن الزيارة تحمل أبعادًا تتجاوز طابعها الديني، مستندًا إلى عمق الموروث المسيحي في الجزائر التي شهدت ازدهار المسيحية في قرونها الأولى، رافضًا تصنيف الجزائر دولة مقيّدة للحريات الدينية، مستشهدًا بالعديد من الكنائس الكبرى التي تنشط في العاصمة ومدينتي وهران وعنابة.
الإعلام الفرنسي والزيارة:
بعض وسائل الإعلام الفرنسية، وخاصة القريبة من اليمين المتطرف والمعادية للجزائر، حاولت تصوير الزيارة على أنها مجرد مقامرة سياسية تهدف إلى تبييض صورة الجزائر دوليًا، وتمنح الشرعية للنظام الجزائري، وتساهم في تبييض التاريخ وتوظيف القديس أوغستين لأغراض سياسية، متجاهلة البعد الروحي للزيارة. رغم أن رئيس أساقفة الجزائر، الكاردينال جون بيار فيسكو، قال إن البابا لا يملك أي شيء ليبيعه، وأن الزيارة تأتي بروح التجرد والتطوع، وتهدف إلى لقاء شعب مسلم تشعر الكنيسة أنها مبعوثة إليه بمدد رباني سري.
خلاصة القول أن الزيارة ستتم وفق البرنامج المسطر لها، وعُلم أن الفاتيكان قرر اتخاذ عبارة “السلام عليكم” شعارًا مركزيًا للزيارة، ويجري التحضير لملصق خاص بها يحمل هذا الشعار. وقد أغلقت مصالح السفارة البابوية والكنيسة في الجزائر باب التسجيل لحضور القداسين اللذين سيقيمهما البابا في كل من كنيسة السيدة الإفريقية في العاصمة وكنيسة القديس أوغستين في مدينة عنابة، بسبب العدد المحدود جدًا للمقاعد التي حُجزت مسبقًا، ولضبط الترتيبات الأمنية الخاصة بتأمين البابا وضمان أفضل الظروف لإتمام زيارته. وعُلم أن حوالي 200 صحفي سيرافقون البابا في زيارته، وتقوم السلطات الجزائرية بتجهيز مركز إعلامي خاص ومجهز في مدينة عنابة للوفد الإعلامي من مختلف المؤسسات المشاركة، من أجل إنجاح الزيارة الأولى لبابا الفاتيكان إلى الجزائر.
