محمد مكتبي٠بيروت
يجلسون على حافة مدينةٍ لم تعد تشبههم. يفترشون عشبًا باردًا قرب رصيفٍ مزدحم، يراقبون حركةً لا تعنيهم بشيء. في يدها كيسٌ بلاستيكي، آخر ما تبقّى من منزلٍ صار بعيدًا، وفي عينيها تعبُ طريقٍ لم ينتهِ بعد. لا خيمة فوق رؤوسهم، ولا لافتة تشير إليهم، ومع ذلك فهم جزء من مشهدٍ يتكرّر بصمت في كل زاوية من هذا البلد.
هكذا يبدو النزوح في لبنان اليوم: بلا ضجيجٍ كافٍ ليُرى، وبلا تنظيمٍ كافٍ ليُحصى.
تشير تقديرات ميدانية صادرة عن منظمة الهجرة الدولية إلى أن العدد الفعلي قد يلامس 1.5 مليون شخص، في ظل وجود أعداد كبيرة خارج أي نظام تسجيل رسمي. وتنسّق هذه المعطيات تقارير OCHA التي تجمع بين البيانات الحكومية والميدانية لتقدير حجم الأزمة.
من الجنوب إلى المدن… خريطة نزوح مفتوحة
بدأت موجة النزوح من المناطق الأكثر تعرضًا للقصف، ولا سيما الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، إضافة إلى أجزاء من البقاع الحدودي. ومع اتساع رقعة العمليات، تحولت الطرقات إلى مسارات هروب جماعي نحو مناطق اعتُبرت أكثر أمانًا.
استقبلت بيروت وجبل لبنان الحصة الأكبر من النازحين، ما وضعهما تحت ضغط سكاني غير مسبوق خلال فترة قصيرة. كما شهد الشمال، خصوصًا طرابلس وعكار، تدفقًا ملحوظًا، مدفوعًا بانخفاض كلفة المعيشة مقارنة بالعاصمة.
لكن هذه الخريطة تبقى غير مكتملة، إذ تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية إلى أن حركة النزوح داخل لبنان تتسم بسيولة عالية، مع انتقال عائلات أكثر من مرة خلال أسابيع، ما يجعل تتبعها بدقة تحديًا يوميًا.
النزوح غير المرئي… حين تختفي الأزمة داخل البيوت
على خلاف تجارب نزوح أخرى في المنطقة، لا تظهر الأزمة في لبنان على شكل مخيمات ضخمة أو مدن خيام.هنا، يتخذ النزوح شكلًا أكثر خفاءً.
تشير التقديرات الإنسانية إلى أن أقل من 15% من النازحين يقيمون في مراكز إيواء رسمية، وفق معطيات مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية، فيما ينتشر الباقون داخل المجتمع: في منازل الأقارب، أو شقق مستأجرة، أو أبنية غير مكتملة.
لكن هذا الانتشار يخفي خلفه ضغطًا اقتصاديًا حادًا على سوق الإيجارات.
فقد ارتفعت أسعار الشقق بشكل كبير منذ بدء موجات النزوح، إذ باتت الشقق المفروشة تُؤجَّر بما لا يقل عن 1500 دولار شهريًا، مع طلب سلفة لثلاثة أشهر وتأمين إضافي، فضلًا عن عمولة الوسيط. أما الشقق غير المفروشة، فتبدأ أسعارها من نحو 800 دولار شهريًا، مع اشتراط بعض المالكين دفع سنة كاملة مسبقًا.
قبل النزوح، كانت شقق مشابهة تُؤجَّر بنحو 200 دولار، لتصل اليوم في بعض المناطق إلى 600 دولار وأكثر، ما يعكس تضخمًا حادًا في سوق السكن خلال فترة قصيرة.
هذا الضغط ترافق مع قيود اجتماعية غير معلنة، إذ تشير شهادات ميدانية إلى أن بعض المالكين يرفضون تأجير النازحين، خصوصًا في مناطق ذات حساسية سياسية أو اجتماعية، ما يضيف بعدًا آخر لأزمة السكن.
مراكز الإيواء… الواجهة فقط
رغم الصورة التي تعكسها المدارس والقاعات التي تحولت إلى مراكز إيواء، فإنها لا تمثل سوى جزء محدود من الواقع.
تُقدّر أعداد المقيمين في هذه المراكز بعشرات الآلاف فقط، وفق بيانات رسمية لبنانية، مقارنة بمئات الآلاف خارجها. وغالبًا ما تعاني هذه المراكز من اكتظاظ ونقص في الخدمات، ما يدفع العديد من العائلات إلى مغادرتها بمجرد توفر بديل، ولو كان هشًا.
أين يتواجد النازحون؟
تتوزع العائلات النازحة بشكل أساسي بين بيروت وجبل لبنان، إضافة إلى طرابلس وعكار وبعض بلدات البقاع التي اعتُبرت أقل تكلفة وأكثر قدرة على الاستيعاب.
لكن هذا التوزع لا يعني استقرارًا، إذ تتحرك العائلات بين منطقة وأخرى وفق توفر الإيجارات أو الدعم، في مشهد نزوح داخلي متحوّل يصعب تثبيته على خريطة واحدة.
ضغط يتجاوز القدرة… اقتصاد يختنق ومجتمع يتوتر
لم يكن لبنان، المثقل أصلًا بأزماته الاقتصادية، مهيأً لاستيعاب موجة نزوح بهذا الحجم. ومع تدفق أكثر من مليون شخص خلال فترة قصيرة، بدأت آثار الأزمة تظهر سريعًا.
ارتفعت أسعار الإيجارات، وتزايد الضغط على شبكات الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية. وفي بعض المناطق، ظهرت توترات اجتماعية مرتبطة بالمنافسة على الموارد المحدودة.
كما سُجلت في بعض البلدات، ومنها عرمون، حالات توتر وصلت إلى اعتداءات أو محاولات طرد بعد غارات مفاجئة، إلى جانب حوادث مشابهة في مناطق أخرى، ما يعكس هشاشة الوضع الاجتماعي في ظل غياب تنظيم واضح.
في المقابل، بدأت بعض البلديات بمحاولات تنظيم الاستجابة المحلية. ففي بلدة الشويفات، على سبيل المثال، تعمل البلدية على تسجيل النازحين، ثم التنسيق لتوزيع حصص غذائية بالتعاون مع مجلس الجنوب، في محاولة لتخفيف جزء من العبء الإنساني المتصاعد.
لكن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم الحاجة. إذ يواجه النازحون نقصًا واضحًا في مراكز الإيواء، سواء تلك المفتوحة أو غير المفعّلة بعد، وسط دعوات متزايدة لفتح مراكز إضافية وتجهيزها بشكل كامل، من حيث البنية الأساسية مثل المراحيض، الفرش، ومستلزمات الحياة اليومية.
ويزداد الضغط حدة مع كون معظم النازحين من دون مصدر دخل ثابت، ما يجعلهم عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، ويزيد من اعتمادهم على المساعدات المحدودة أو المبادرات المحلية المتفرقة.
وتحذر تقارير مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية من أن قدرة البنية التحتية في لبنان تقترب من حدودها القصوى، في ظل غياب تمويل كافٍ للاستجابة.
فجوة الاستجابة… أرقام أكبر من الإمكانيات
رغم الجهود المحلية والدولية، لا تزال الاستجابة الإنسانية دون مستوى الحاجة.
تشير تقديرات أممية إلى أن التمويل المتوفر لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات، فيما يعتمد عدد كبير من النازحين على مبادرات فردية أو دعم مجتمعي غير مستدام. وتؤكد منظمة الهجرة الدولية أن غياب نظام تسجيل شامل يعقّد عملية إيصال المساعدات إلى الفئات الأكثر هشاشة.
بين رقمين… تضيع الحكاية
بين رقم رسمي يتحدث عن نحو مليون نازح، وتقديرات أوسع ترفع العدد إلى ما يقارب 1.5 مليون، تضيع صورة كاملة لأزمة تتجاوز الحسابات.
لكن ما لا تقوله الأرقام بوضوح، هو أن هذا النزوح يحدث بلا خريطة واضحة، وبلا أفق زمني. في بلدٍ اعتاد أن يكون ملاذًا للنازحين، يجد اللبنانيون أنفسهم اليوم في موقع مختلف: نازحون داخل حدودهم، يبحثون عن مساحة مؤقتة في وطنٍ يضيق بهم.
الخطورة بالأمر أن ثمة من يعتقد بان تعمُّد إسرائيل ابعاد النازحين صوب بيروت والشمال يهدف أيضا إلى زرع فتن متنقلة قد تنفجر في اي لحظة تحت ذرائع كثيرة رغم تطمينات الرئيس اللبناني بان القوى الامنية جاهزة لمنع اي فتنة والاستمرار بضبط الأوضاع. ولكن … إلى متى؟!
