مرح إبراهيم ( باحثة ومترجمة)

غداة صدور تقرير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حول أحداثِ السّويداء في تموز الماضي، ها هي بلاد حقوقِ الإنسان تفرش السجّاد الأحمرَ استقبالًا لرئيس المرحلة الانتقاليّة أحمد الشرع، لتضعَ الغرب مرّةً أخرى أمامَ ازدواجيّة معاييره.
يشيرُ تقرير مفوضيّة الأمم المتحدة، حول موجة العنف الأولى والأكثرَ دمويّة في السّويداء، إلى “ارتكاب القوات الحكوميّة، برفقة مقاتلين من العشائر، انتهاكاتٍ كبرى للقانون الدوليّ الإنسانيّ والقانون الدوليّ لحقوق الإنسان ضدّ المدنيين الدّروز (…) بما في ذلك أعمال قتلٍ وتعذيبٍ ونهبٍ واحتجازٍ تعسفيّ، بالإضافةِ إلى فصلِ الرجال الدروز عن النساء والأطفال، وإعدامهم، وإطلاق النار على آخرين في الشوارع أو قتلهم في منازلهم إلى جانب أفراد أسرهم.” وهي مشاهدٌ تعيدنا إلى مجازر الساحل السوريّ المرعبة التي سبقت أحداث السويداء بأشهر، ثم تلتها الاشتباكات مع الكرد، وتفجير كنيسة في دمشق، ثمّ أحداث السقيلبية ذات الأغلبية المسيحيّة في ريف حماه، مؤخّرًا.
لا تخفى الأحداث الدّامية هذه على الرأي العام الأوروبي، إذ يشهدُ الوسط السياسيّ والفضاء الافتراضيّ موجةَ استنكارٍ واسعةٍ لهذه الزّيارة التي وصفها أعضاءٌ في حزب اليسار الألمانيّ بأنها “ليست سياسةً خارجيّة قائمة على القيم بل تشريعًا للعنف”، ناهيك عن قضيّة الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان التي عملت لسنوات في شمال شرق سوريا واختفت منذ أشهر دون أّيّ خبر.
وصفت كانسو أوزدمير، المتحدّثة باسم الحزب لشؤون السياسية الخارجيّة في البرلمان الألماني، اللقاءَ مع المستشار فريدريش ميرز (من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحيّ) بأنّه “ليس خطوةً دبلوماسية، بلّ إفلاسًا أخلاقيّا”، مضيفةً أنّ النظام السوريّ الحاليّ قد “بُني على أنقاض شبكات مرتبطة بتنظيم القاعدة”، وأنّ الحكومة الألمانية تسعى الآن إلى التودّد إليه”. وتابعت قائلةً إنّ كل هذا يحدث يهدفُ فقط “للتمكن من ترحيل أعداد كبيرة من السوريين”.
في الواقع، لا يُخفي فريدريش ميرتس هدفَه المتمثل بترحيل 80 بالمئة من اللاجئين السوريين خلال ثلاثِ سنوات، ولعلّه الملفّ الأكبر ضمن المحادثات بين المستشار الألمانيّ ورئيس المرحلة الانتقالية السوري، ضمنَ ملفاتٍ أخرى تناقشُ مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار في سورية، حيث تسعى الدول الأوروبيّة، على أنقاض الحرب، لكسبِ حصّتها من مشروع “إعادة الإعمار”، فلا تبقى الساحةُ حكرًا على الروس والأميركيين والأتراك، ناهيكَ عن إسرائيل التي باتت تسيطر على جزءٍ كبير من الجنوب السوريّ منذ “تحرير البلاد”.
كان ميرتس قد أعربَ العام الماضي عن سعيهِ للحدّ من الهجرة غير النظامية، مشيرًا إلى أنه “لم يعد للشعب السوريّ أيّ مبرر لطلب اللجوء في ألمانيا بعد انتهاء الحرب في سورية”، وكأنّ الحربَ قد انتهت فعلًا ولم تولد من جديد، لكن هذه المرّة تحت جناح نظامٍ تلقّى احتضانًا دوليًّا حرّرَ البلاد من عزلتِها لكنه لم ينقذها من حمّامات الدم الصّارخة وراء صمتِ الإعلام المحليّ. أمامَ هذه المساعي، شهدت العاصمةُ الألمانيّة اليوم تظاهراتٍ ضد مخطط إعادة اللاجئين إلى سورية تحت شعار “لا لاتفاقيات الترحيل مع منتهكي حقوق الإنسان”، على الرغم من وجود قاعدةٍ شعبيّةٍ كبيرة للشرع في ألمانيا، ممن يعتبرونه محرّر الشام من طاغيتها، إلّا أن الأغلبية غير مستعدة للعودة الآن رغم تأييدهم لسياساته وراء البحار.
لا تأتي عادةً التقارير الصادرةُ عن منظمات حقوق الإنسان من فراغ، بل تدخل في سياقٍ أوسع من التفاعلات السياسية والإعلامية. فهل ستكون هذه الإدانات ورقة ضغطٍ على الحكومة الانتقالية في سوريا، أم أنه مجرد تقاطع بين المسار الحقوقي والمسار السياسيّ. إذا كانَ مجرّد تقاطع، فإنّه لتجلٍ آخر للتباين بين الخطاب الحقوقيّ والسلوك السياسيّ بذريعة البراغماتيّة.
نعم، فقد يبدو طرحُ التناقض بين الشعارات الإنسانيّة ولزوم الواقعيّة السياسيّة مستهلكًا، لكنّ الفجوة المتزايدة بين الرأي العام والسياساتِ الرسميّة تلقي الضوء على هذا التناقض أكثر من أيّ وقتٍ مضى. وإذا كانت الواقعية السياسيّة تطغى على الخطاب الحقوقيّ بحكم المصالح والملفات العالقة، فهي لا تفعل إلّا عندما يستلزم الأمر.. فقد طغى آنذاك الخطاب الحقوقيّ بغية عزل النظام السوريّ السابق بتهم جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة، وفرضِ عقوباتٍ لم يدفع ثمنَها سوى الشعب. ولأنّ السياسةَ فنُّ الممكن، أصبح تدوير الشخصيّاتِ الجدليّة أكثر وضوحًا وجرأة، شخصيات ارتبطت في مراحل سابقة بالراديكاليّة وقطع الرؤوس، تجد نفسها بغتةً (لا بل عن سبق تحضيرٍ وإعداد) جزءًا من مشهد دبلوماسيّ وسياسيّ، فنّ الممكن الذي يجعل أيّ شيء مبرّرًا، فاتحًا الباب أمام فوضى المعايير، حيث يتلاشى الخطّ بين المقبول والمرفوض ويفقد القانون معناه.
لكن، في ظلّ ما تشهده سوريا الجديدة، تحت حكمٍ أقسمَ على القطيعةِ مع ماضيه، من جرائم ضدّ من أرادوا تسميتهم بالـ”الأقليات”، هل فعلًا نجح الغرب بإعادة التدوير هذه وهو الرّائد في هذا المجال من أجل البيئة؟
