رنيم مأمون الجنّـان

تحوّل الإعلام في العصر الرقمي إلى قوةٍ فاعلة في تشكيل الواقع ذاته ولم يعد مجرد وسيطٍ لنقل الأخبار أو مرآةٍ تعكس ما يجري في العالم، فمع اتساع فضاء الشبكات الاجتماعية وتسارع تداول الصور والمقاطع والآراء، أصبحت الأحداث تُعرَض أكثر مما تُعرَف، وأصبح حضورها في الوعي العام مرهوناً بطريقة تقديمها وتداولها، هكذا باتت الحقيقة، في كثير من الأحيان، نتاجاً لسردٍ إعلاميٍّ يحدّد زاوية النظر ويصوغ المعنى، ويمنح بعض الوقائع حضوراً كاسحاً فيما يترك غيرها على هامش النسيان.
في هذا السياق، تكتسب رواية «أمرٌ رائع بشكلٍ استثنائي» للكاتب الأمريكي «هانك غرين» أهميتها بوصفها نصاً أدبياً يلتقط بذكاءٍ هذا التحول العميق في طبيعة الإعلام المعاصر، فالرواية تتجاوز السرد فتبدأ الحكاية من حدثٍ غامض بظهور تماثيل عملاقة في مدن العالم، وتتتبّع منذ لحظتها الأولى كيفية تحوّل هذا الحدث إلى ظاهرة عالمية عبر كاميرا هاتفٍ محمول ومنصّة بثّ مباشر، إذ ما يبدأ بوصفه مصادفةً عابرة سرعان ما يصبح مادةً إعلامية هائلة، تتناقلها الشاشات والمنصّات، وتُعيد صياغتها ملايين التعليقات والتحليلات والقراءات المتناقضة.
تكشف الرواية، عبر المسار الذي رسمته بطلتها «أبريل ماي»، أن الحدث في زمن الإعلام الرقمي يكتسب معناه من الطريقة التي يُروى بها، فالفيديو الأول الذي تنشره أبريل لا يكتفي بإخبار العالم بوجود ظاهرة غريبة، بل يُنشئ الإطار الذي سيُفهَم من خلاله هذا الحدث لاحقاً، ومنذ تلك اللحظة يبدأ العالم في التفاعل مع نسخةٍ إعلامية من أرض الواقع، نسخةٍ تتشكل عبر خوارزميات المنصّات، وتضخمها رغبة الجمهور في المشاركة والتعليق والتأويل.
بهذا المعنى، تبدو الرواية أقرب إلى تأملٍ سردي في قوة الإعلام المعاصر؛ تلك القوة التي تعيد تشكيل الواقع وتوزيع أدواره، فالأفراد يمكن أن يتحولوا بين ليلةٍ وضحاها إلى رموزٍ عالمية، والظواهر يمكن أن تنقلب إلى ساحات صراعٍ بين روايات متعارضة، والجمهور ذاته يصبح جزءاً مهماً من عملية صناعة الحدث وإنتاجه لا مجرد متلقٍّ ومستهلكٍ له، ومن خلال هذا كله، تطرح الرواية سؤالاً جوهرياً عن علاقتنا بالعالم في زمن الشاشة؛ هل نعيش الأحداث كما تقع فعلاً؟ أو كما تُعرض علينا؟
منذ الصفحات الأولى للرواية يتبدّى أن الحدث يُولد في الواقع أولاً، ثم يولد ثانيةً وبشكل مختلف في المجال الإعلامي، فظهور التمثال الغامض في أحد شوارع نيويورك ليلاً يتحول إلى قضية عالمية بعد أن تلتقطه كاميرا هاتفٍ محمول، ويجد طريقه إلى الإنترنت عبر فيديو قصير تنشره أبريل، وفي تلك اللحظة تحديداً، يبدأ الحدث الحقيقي؛ وهو انتقال التمثال من كونه واقعة محدودة في شارعٍ معتم إلى ظاهرة يتداولها الملايين عبر الشاشات والمنصات الرقمية.
تبيّن الرواية، بهذا المعنى، أن الإعلام في العصر الرقمي يشارك في إنشاء الحدث وإعطائه حجمه ودلالته، فالفيديو الأول الذي تنشره أبريل يمنح ما حدث إطاراً سردياً أولياً؛ ويعزّز نبرة الفضول ودهشة الاكتشاف وإحساس المشاركة مع الجمهور، ومن خلال هذا الإطار تبدأ الظاهرة في التشكّل داخل المخيلة الجماعية، حيث تتحول صورة التمثال إلى مادة دسمة للتأويل والنظريات التي تنتشر بسرعة هائلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع اتساع انتشار الفيديو، يتغير موقع أبريل نفسها من شاهدةٍ عابرة إلى شخصية مركزية في القصة، فالإعلام الرقمي -بطبيعته- يبحث عن الراوي بقدر ما يبحث عن الحدث؛ عن الوجه الذي يمكن أن يتصدر الشاشة ويجسّد الحكاية، وهكذا تتحوّل أبريل إلى الوسيط الذي يرى العالم من خلاله الظاهرة، لأنها كانت أول من وثّقها وقدّمها للجمهور.
تكشف هذه اللحظة السردية عن أحد أكثر ملامح الإعلام المعاصر إشكالاً؛ فالحدث يكتسب قيمته من خطورته وغرابته وأيضاً من قابليته للتداول والانتشار، فكلما كان الحدث قابلاً للتصوير والمشاركة وإعادة النشر، ازدادت فرصته في التحول إلى ظاهرة عالمية، وهنا تلمح الرواية بذكاء إلى أن العالم الرقمي يعيد ترتيب الواقع وفق منطق الظهور والانتشار.
وبهذا المعنى، لا يبدو ظهور مجموعة نسخ “كارل” في الرواية مجرد لغزٍ علمي أو كوني، بل تجربة تكشف كيف يعمل الإعلام الحديث في لحظة تشكُّل الحدث، فالناس في مختلف أنحاء العالم لا يتعاملون مع هذه النسخ كما هي، بل مع صورهم ومقاطعهم وتفسيراتهم التي تتدفق بلا توقف عبر المنصات، وبين الواقع وصورته الإعلامية تتشكل مسافة دقيقة، لكنها كافية لأن تجعل ما نعرفه عن الحدث أقرب إلى رواية جماعية تتغير باستمرار، أكثر منه حقيقة ثابتة.
إذا كان الإعلام الرقمي قد منح الحدث وجوده العالمي، فإنه في الوقت نفسه منح بطلة الرواية موقعاً لم تكن تتوقعه؛ موقع الشخصية التي تُروى من خلالها الحكاية، فمع الانتشار السريع للفيديو الأول، تتحول أبريل ماي إلى مركزٍ للسرد، وفجأةً، يصبح اسمها حاضراً في كل منصة، ويغدو وجهها جزءاً من الصورة التي يرى العالم من خلالها نسخ «كارل»، هنا تبدأ الرواية في كشف الوجه الآخر للإعلام الرقمي؛ ذلك الذي يحوّل الأفراد إلى قصص قابلة للاستهلاك.
فالشهرة في هذا السياق تأتي بوصفها نتاجاً لاقتصاد الانتباه الذي يحكم الفضاء الرقمي، كلما ازدادت المشاهدات والتفاعلات، ازداد حضور الشخص في المجال العام، وتحولت حياته تدريجياً إلى مادةٍ مفتوحة للتأويل والمتابعة، ومن هذا المنطلق تجد أبريل نفسها في قلب دائرة لا تتوقف عن الاتساع؛ مقابلات إعلامية ومتابعون بالملايين وضغطٌ مستمر لتفسير ما يحدث أو التعليق عليه، حتى في اللحظات التي لا تملك فيها أي إجابة حقيقية.
تقدّم الرواية أولاً هذه الشهرة بوصفها امتيازاً خالصاً، ثم تكشف تدريجياً عن ثمنها الإنساني، فمع ازدياد حضور أبريل في الفضاء الإعلامي، يبدأ الحد الفاصل بين الشخص الحقيقي والصورة العامة بالتلاشي، ما تقوله أو تفعله يصبح جزءاً من سردية كبرى يتابعها الجمهور، وهكذا يصبح عليها أن تؤدي دوراً غير معلن؛ أن تظل دائماً في موقع المتحدثة باسم الحدث، حتى عندما تكون في الحقيقة مجرد إنسان يحاول فهم ما يجري حوله.
في هذا التحول الدقيق، تكشف الرواية جانباً أساسياً من منطق الشهرة الرقمية: فالإعلام وصناعة الحدث يحتاجان إلى وجهٍ يمثلهما، إلى شخصية يمكن أن تختصر القصة في صورةٍ واحدة أو اسمٍ واحد، ومع الوقت، تتكثّف الحكاية حول هذا الوجه، حتى يبدو وكأن الظاهرة نفسها لا يمكن فصلها عنه، غير أن هذا التكثيف يحمل مفارقة واضحة؛ فكلما اتسعت شهرة الشخص، تقلّصت المساحة المتاحة لوجوده العادي، إنسانه الحقيقي يتراجع خطوةً وراء الصورة التي يطلبها الجمهور.
ومن خلال هذه المفارقة، تلمّح الرواية إلى أن الشهرة في العصر الرقمي ليست مجرد لحظة اعتراف اجتماعي، بل عملية مستمرة تحوّل الإنسان إلى قصة يتابعها الجمهور بشغف، لكنها في الوقت نفسه تُعيد تشكيل حياة صاحبها وفق توقعات الآخرين، وفي هذا التحوّل تحديداً، تبدأ الملامح الأولى للضغط الذي سيقود لاحقاً إلى توترات أعمق في علاقة الإعلام بالجمهور، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها حدثٌ واحد إلى ساحةٍ لصراعاتٍ متناقضة حول معناه وحدوده.
ومع اتساع دائرة الشهرة وتحوّل أبريل إلى الوجه الأكثر ارتباطاً بالحدث، يبدأ أثر الإعلام في التجلّي على مستوى أوسع من مجرد صناعة الظاهرة أو تحويل الأفراد إلى قصص عامة، فالرواية تبيّن، مع تطوّر الأحداث، كيف يمكن للفضاء الإعلامي نفسه أن يصبح ساحةً للانقسام الاجتماعي، حيث تتكاثر الروايات وتتشكّل حولها جماعاتٌ متعارضة على المستوى نفسه، ولكلٍّ منها تفسيرها الخاص لما يحدث.
في البداية يبدو ظهور نسخ كارل لحظة دهشةٍ جماعية توحّد العالم حول لغزٍ واحد، غير أن هذا الإجماع لا يدوم طويلاً، فمع استمرار التغطية الإعلامية وتدفّق التحليلات والتأويلات عبر المنصّات الرقمية، تبدأ القراءات المختلفة في التصلّب تدريجياً إلى مواقف متقابلة، بعضهم يرى في هذه النسخ رسالةً أو فرصةً غير مسبوقة لفهم الكون، فيما يتعامل آخرون معها بوصفها تهديداً ينبغي مواجهته، وبين هذين التصورين تتشكّل خطوط انقسام حادة، تغذيها الأخبار العاجلة والتعليقات المتدفقة والنقاشات التي لا تتوقف.
هنا تكشف الرواية عن طبيعة الإعلام في زمن الشبكات؛ إذ لم يعد وسيلة لتداول المعلومات فحسب، بل أصبح فضاءً تتزايد فيه المخاوف الجماعية والتصورات المتضاربة، فكلّ خبرٍ جديد، وكلّ تصريحٍ أو تحليل، يصبح مادةً لإعادة تفسير الحدث وفق الموقف المسبق للجمهور، ومع الوقت، لا يعود الناس يتجادلون حول ما حدث بالفعل، بل حول الرواية التي يختارون تصديقها، هكذا يتحول الحدث الواحد إلى عدة وقائع متوازية، لكلٍّ منها جمهورها ومسوّغاتها.
ويبدو هذا الانقسام أكثر وضوحاً في الطريقة التي تتشكل بها الحركات المؤيدة والمعارضة داخل الرواية، فبفضل سرعة الانتشار التي تتيحها المنصات الرقمية، تستطيع الأفكار أن تتحول في وقتٍ قصير إلى تياراتٍ واسعة، يتجمع حولها آلاف الأشخاص الذين يجدون في الخطاب الإعلامي ما يعزز قناعاتهم أو مخاوفهم، وهنا يصبح الإعلام عنصراً فعّالاً في تشكيل المزاج العام، وفي دفع النقاشات نحو مزيد من الحدة والاستقطاب.
من خلال هذا المسار، تلمّح الرواية إلى أن القوة الحقيقية للإعلام الحديث تكمن في قدرته على إعادة ترتيب العلاقات بين الناس بقدر ما تجعل الحدث عالمياً، وبين التفسيرات المتنافسة تتشكل هويات جديدة، وتتعزز مشاعر الخوف أو الأمل، ويصبح المجال الإعلامي مرآةً لانقسامات المجتمع كما هو انعكاسٌ لأحداثه.
ومع احتدام هذا الانقسام، يتحوّل الإعلام تدريجياً إلى مسرحٍ تُعرض عليه لحظات التوتر والعنف نفسها، فكلما تصاعدت المخاوف والاتهامات المتبادلة، ازداد حضور الصور والمقاطع التي توثق الاحتجاجات والهجمات والخطابات الغاضبة، وهنا تكشف الرواية جانباً أكثر إرباكاً في علاقة الإعلام بالعالم؛ العنف يُعرض ويُعاد تدويره داخل فضاء المشاهدة الجماعية.
في هذا السياق، تبدو بعض اللحظات المفصلية في الرواية أقرب إلى مشاهد تُبث على الهواء أمام جمهور واسع، فالهجوم الذي تتعرض له أبريل، وما يرافقه من متابعة مباشرة عبر الشاشات والمنصات، يكشف كيف يمكن للحظة الخطر أن تتحول إلى مادةٍ إعلامية يتابعها الناس في الوقت الحقيقي، المتابعون يعلّقون ويشاركون المقاطع ويعيدون نشرها، وكأنهم يشاهدون حدثاً يقع في مساحةٍ بعيدة عنهم، رغم أن ما يحدث في جوهره تجربة إنسانية قاسية ومهدِّدة للحياة.
وهنا، تطرح الرواية سؤالاً أخلاقياً عن طبيعة المشاهدة في العصر الرقمي أعمق من أن يكون إدانة مباشرة للجمهور، فالمسافة التي تمنحها الشاشة تجعل العنف يبدو أحياناً أقل واقعية مما هو عليه في الحقيقة، وكأن ما يُعرض يتحوّل إلى مشهد ضمن سلسلةٍ متلاحقة من الأخبار والمقاطع التي تمرّ سريعاً أمام أعين المتابعين وليس ألماً بشرياً فعلياً، وبين سرعة التداول وكثافة الصور، يتراجع الإحساس بالصدمة تدريجياً، لتحلّ محله عادة المشاهدة.
بهذا المعنى، تكشف الرواية أن الإعلام الحديث يملك أيضاً قدرةً خاصة على تحويل لحظات الصراع إلى عروضٍ عامة، فالمشهد العنيف، حين يُلتقط بالكاميرا ويُبث عبر المنصات، يصبح جزءاً من تدفقٍ بصري لا يتوقف؛ يتلقاه الجمهور بوصفه خبراً أو مقطعاً آخر في سلسلة المشاهد اليومية، وهنا تظهر المفارقة التي تلمّح إليها الرواية بوضوح؛ كلما ازدادت قدرتنا على رؤية العالم عبر الشاشات، ازدادت المسافة التي تفصلنا عن التجربة الإنسانية المباشرة لما يحدث فيه.
ومن خلال هذا المسار كله، تضع الرواية الإعلام الرقمي أمام اختبارٍ أخلاقي معقّد، فالقوة التي تسمح بنقل الحدث إلى ملايين الناس في لحظة واحدة هي نفسها التي قد تحوّل الألم والخطر إلى مادةٍ قابلة للمشاهدة والتداول.
وإذا كانت هذه المسارات كلّها -صناعة الحدث وتحويل الإنسان إلى قصة وتعميق الانقسام، ثم تحويل لحظات العنف إلى مشاهد عامة- تكشف طبيعة الإعلام في العصر الرقمي، فإنها تقود في النهاية إلى سؤال أعمق تطرحه الرواية بهدوء؛ عمّا يحدث حين تتجه أنظار العالم بأسره نحو شخص واحد، فعلى الرغم من أن الرواية تبدو، في ظاهرها، حكاية عن ظهور كائنات غامضة قد تكون آتية من خارج الأرض، فإن هذا الحدث يبقى في جوهره خلفيةً لحكاية أخرى أكثر إنسانية، حكاية امرأة تجد نفسها فجأة في مركز الضوء العالمي.
فاللغز الكوني الذي يبدأ بظهور نسخ كارل في الرواية يصبح قوّة دافعة تدفع أبريل إلى موقعٍ لم تختره تماماً ليس كمحور سرد نهائي، حيث إنّ ما يحدث لها لا يشبه اكتشافاً علمياً بقدر ما يشبه تجربة اجتماعية قاسية؛ ثم كيف يتغير الإنسان عندما يصبح فجأة محور اهتمام الملايين؟ وكيف يمكن لشخصٍ عادي أن يتحمل ثقل التوقعات والأسئلة والاتهامات التي يضعها عليه جمهور لا يعرفه لكنه يراقبه باستمرار؟
تتبع الرواية هذا التحول بدقة، كاشفةً أن الضوء الإعلامي حين يتركز على فردٍ واحد يبدل حياته من جذورها، فكل كلمة يقولها تصبح موضع تحليل، وكل قرار يتخذه يُقرأ بوصفه موقفاً عاماً، وشيئاً فشيئاً، يتقلص الفضاء الشخصي الذي يستطيع الإنسان أن يتحرك داخله بحرية، ليحل محله فضاء عام لا يتوقف عن المراقبة والتفسير، وهنا لا يعود السؤال مرتبطاً بنسخ كارل نفسها، إنما يتوجّه بالسؤال حول قدرة الإنسان على البقاء إنساناً تحت هذا الضوء الكثيف.
من خلال هذا المنظور، تبدو الرواية وكأنها تضع القارئ أمام تجربة معاصرة بامتياز؛ تجربة الفرد الذي يجد نفسه فجأة في قلب عالمٍ إعلامي لا يرحم، فالتكنولوجيا التي سمحت للحدث بالانتشار هي نفسها التي تجعل كل حركة وكل كلمة قابلة للرصد والتعليق، ومع كل خطوة تخطوها أبريل، يتضح أن العالم يراقبها، الوجه الذي اختصر الحكاية كلها أكثر مما يراقب الظاهرة الغامضة.
وهكذا، في النهاية، تنكشف المفارقة التي تبني عليها الرواية قوتها؛ الكائنات الغامضة التي ظهرت في مدن العالم ليست سوى الشرارة الأولى، أما القصة الحقيقية فهي قصة الإنسان الذي وجد نفسه فجأة تحت نظر العالم، في ضوء هذا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً عمّا يحدث لنا نحن عندما تتحول حياتنا، في لحظة واحدة، إلى حدثٍ يتابعه الجميع.
وإذا تأمّلنا المسار الذي تنسجه الرواية منذ لحظة ظهور نسخ كارل الأولى، يتضح أن ما تقدّمه ليس مجرد حكاية خيال علمي عن لغزٍ كوني، بل قراءة أدبية دقيقة لعالمٍ بات الإعلام فيه جزءاً من تكوين الواقع نفسه، لذا نرى أن الحدث نفسه يكتسب شكله الحقيقي عندما يدخل دائرة السرد الإعلامي؛ هناك حيث تتحول الوقائع إلى قصص، والأشخاص إلى رموز، والآراء إلى جبهات متقابلة.
لقد أظهرت الرواية كيف يستطيع الإعلام الرقمي أن يمنح الحدث حجمه العالمي، لكنه في الوقت ذاته يؤسس لشبكة معقّدة من التأويلات التي تعيد تشكيل معناه باستمرار، ومع هذا التحول، يُعاد تعريف الإنسان وفق الصورة التي تنتشر عنه فقط، وهكذا تتبدّى شهرة أبريل، التي بدأت بلحظة فضول عابرة أمام تمثال غامض، كتجربة قاسية تكشف الوجه الخفي للضوء الإعلامي؛ ذلك الضوء الذي يرفع الفرد إلى مركز المشهد، لكنه في الوقت نفسه يضعه تحت مراقبةٍ لا تهدأ.
وبهذا المعنى، تبدو الرواية مرآة أدبيّة لعصرنا الرقميّ، الذي أصبح الحدث فيه متصلاً تماماً مع الشاشة التي تنقله والإنسان جزء من الصورة التي تسبقه إلى العالم، ومن خلال هذه المرآة، تترك الرواية القارئ أمام سؤالٍ مفتوح؛ ما الذي يتبقّى من الإنسان حين تسبقه صورته إلى الجميع، حين تصبح حياته مرئيّةً على هذا النّحو الكثيف؟ هل يظلّ قادراً على أن يكون نفسه؟ أو يتحوّل تدريجيّاً إلى الصورة التي يراه فيها الآخرون؟
