في لحظة دولية تتسم باضطراب الأسواق وتزايد الضغوط الجيوسياسية، تحركت مصر على مستوى رفيع لتعزيز شراكاتها الاقتصادية الدولية، حيث قاد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، الدكتور أحمد رستم، جولة مباحثات مكثفة في العاصمة الأمريكية واشنطن، عكست توجهًا استراتيجيًا لإعادة تموضع الاقتصاد المصري في خريطة الاقتصاد العالمي.
اللقاءات التي جمعت الوزير مع كبار مسؤولي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى جانب المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية (DFC)، لم تكن مجرد مشاورات تقليدية، بل حملت في طياتها رسائل واضحة بشأن قدرة الاقتصاد المصري على الصمود، ورغبة القاهرة في توسيع نطاق التعاون الدولي لمواجهة تحديات غير مسبوقة.
اقتصاد تحت الضغط… وقدرة على الصمود
عرضت مصر خلال الاجتماعات صورة شاملة لأداء اقتصادها، في ظل بيئة دولية مضطربة تأثرت بالحروب الإقليمية واختناقات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة. ورغم هذه التحديات، أظهرت المؤشرات أن الاقتصاد المصري سجل نموًا بنحو 5.3% خلال النصف الأول من العام المالي، قبل أن تبدأ التوترات الجيوسياسية في فرض ضغوط على وتيرة النمو.
وتتوقع الحكومة تباطؤًا نسبيًا خلال الربع الثالث، يعقبه انتعاش محتمل، في مؤشر على مرونة الاقتصاد وقدرته على امتصاص الصدمات، وهي رسالة حرص الوزير على إيصالها لشركاء مصر الدوليين.
سلاسل الإمداد والأمن الغذائي… أولوية استراتيجية
شكلت تداعيات التوترات الإقليمية على سلاسل الإمداد محورًا رئيسيًا في المباحثات، حيث قدمت مصر نموذجًا لإدارة المخاطر عبر حزمة من الإجراءات، شملت:
التوسع في الإنتاج الزراعي والمشروعات القومية.
تنويع مصادر الاستيراد لتقليل الاعتماد على أسواق محددة.
بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية لضمان استقرار الأسواق.
كما برز توجه جديد نحو دعم شركات التكنولوجيا الزراعية (Agritechs)، باعتبارها أحد مفاتيح تعزيز الإنتاجية وتحقيق الأمن الغذائي في المدى المتوسط.
الطاقة… بين ضغوط الأسعار والتحول الأخضر
لم تغب أزمة الطاقة العالمية عن طاولة النقاش، خاصة مع استمرار تقلب أسعار النفط، التي تمثل عامل ضغط مباشر على الموازنة العامة والاحتياطي النقدي ومعدلات التضخم.
في المقابل، عرضت مصر استراتيجيتها القائمة على تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، بما يعزز التحول نحو الاقتصاد الأخضر، ويقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري، في مسار يتماشى مع التوجهات الدولية نحو الاستدامة.
القطاع الخاص في صدارة المشهد
أكد الوزير أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولًا هيكليًا في نموذج النمو، يقوم على تمكين القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيسي للاقتصاد، وهو توجه يحظى بدعم المؤسسات الدولية، خاصة في ظل الحاجة إلى تعزيز الاستثمارات وخلق فرص عمل مستدامة.
وفي هذا السياق، ناقشت مصر مع المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية فرص ضخ استثمارات جديدة، خاصة في البنية التحتية والطاقة، مع الاعتماد على أدوات تمويل مبتكرة تواكب التحديات الراهنة.
الانضباط المالي وتعزيز التنافسية
على صعيد السياسات المالية، استعرضت الحكومة المصرية جهودها لتحقيق الانضباط المالي ورفع كفاءة إدارة الاستثمارات العامة، إلى جانب تطوير سلاسل القيمة والخدمات اللوجستية، بما يسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد وتقليل تأثره بالاضطرابات العالمية.
كما تم التأكيد على أهمية تطوير منظومة النقل والتأمين على التجارة الدولية، لضمان استمرارية تدفق السلع في ظل بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين.
وتسعى القاهرة إلى توسيع هذه الشراكات، ليس فقط للحصول على التمويل، ولكن أيضًا لنقل الخبرات وتعزيز قدراتها المؤسسية، بما يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
