د.رانيا حتّي

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر ملاحي تعبر من خلاله ناقلات النفط والغاز، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز في الصراع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
فالجغرافيا هنا لا تُقرأ كخريطة فقط، بل كأداة قوة قادرة على إعادة رسم التوازنات السياسية والعسكرية.
في ظل التصعيد المستمر، تبرز فكرة أن تسعى إيران إلى فرض نموذج جديد لإدارة المضيق. في ظل هذا المشهد، قد يعود بنا التاريخ الحديث إلى اتفاقية مونترو 1936، التي منحت تركيا سيادة منظمة على مضيقي البوسفور والدردنيل ضمن إطار ضمانات دولية.
ولكن الفرق أن ما يُطرح اليوم يتجاوز مجرد تنظيم الملاحة، ليصل إلى إعادة تعريف من يملك قرار الأمن في الخليج.
من ممر للطاقة إلى أداة نفوذ
تكمن أهمية مضيق هرمز في كونه شريان حيوي للاقتصاد العالمي، بحيث تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز. هذا الواقع يمنح الدولة التي تمتلك القدرة على التأثير فيه قوة تفاوضية استثنائية، تتخطى حدودها الجغرافية. ومن هنا، يصبح المضيق ورقة استراتيجية بيد إيران، يمكن توظيفها ليس فقط في سياق الردع، بل في فرض معادلات سياسية جديدة. وخصوصا تحول هذا المضيق من مجرد ممر ملاحي ينطبق عليه القانون الدولي للبحار إلى مضيق يتعلق بأمن طهران القومي.
وهذا ما صرح به أكثر من مسؤول إيراني سيما مهرداد بذرباش، الوزير ونائب رئيس الجمهورية الإيراني السابق، إذ اعتبر أن مضيق هرمز تابع لإيران، وأن طريقة إدارته في المرحلة المقبلة لن تكون كما كانت في السابق. هذا التصريح لا يعكس مجرد موقف سياسي عابر، بل يشير إلى توجّه داخل بعض دوائر القرار الإيراني لإعادة صياغة قواعد التعامل مع هذا الممر الاستراتيجي.
نحو نظام أمني إقليمي ؟
أحد أبرز ملامح هذا التحول المحتمل هو الانتقال من نموذج الأمن المفروض خارجيًا إلى نموذج أمني إقليمي. بمعنى آخر، بدل أن تبقى الولايات المتحدة اللاعب الرئيسي في حماية الملاحة، قد تدفع إيران باتجاه إشراك دول الخليج في منظومة أمنية مشتركة، تُدار من داخل الإقليم نفسه. هذا الطرح، إن تحقق، سيؤدي إلى تغيير جذري في بنية التحالفات التقليدية.
تقييد العسكرة وإعادة التوازن
وكما فعلت تركيا بموجب اتفاقية مونترو 1936، يمكن أن يتضمن أي طرح إيراني قيودا على مرور السفن الحربية، خصوصًا التابعة للقوى غير الإقليمية. مثل هذه الخطوة لا تعني إغلاق المضيق، بل تنظيمه بطريقة تفرض توازن ردع وتحدّ من احتمالات الانفجار العسكري.
معادلة “الأمن مقابل الاعتراف”
في جوهر هذا التصور تكمن معادلة واضحة، ضمان حرية الملاحة وتدفق الطاقة مقابل اعتراف دولي بدور إيران كقوة ضامنة لأمن المضيق. هذه المعادلة، إذا قُبلت، ستمنح طهران موقعا رسميا ضمن منظومة الأمن الإقليمي، بدل بقائها طرفًا مُستهدفا أو مُعاقَبا.
نظام متعدد الأقطاب
أي تغيير في إدارة مضيق هرمز لن يبقى محصورًا بالإقليم، بل سينعكس على النظام الدولي ككل. فدخول قوى مثل دول البريكس وأبرزهم الصين كشريك اقتصادي، وربما كضامن للاستقرار، سيعزز الاتجاه نحو نظام متعدد الأقطاب، يُنهي أو يحدّ من الأحادية الأمريكية التي سادت لعقود.
التحديات وحدود الواقع
رغم جاذبية هذا الطرح، إلا أنه يواجه عقبات جدية. فالولايات المتحدة لن تتخلى بسهولة عن دورها في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، كما أن دول الخليج قد تنظر بعين الريبة إلى أي دور إيراني مهيمن. يضاف إلى ذلك غياب الثقة السياسية، الذي يشكل العائق الأكبر أمام أي اتفاق طويل الأمد.
إن مضيق هرمز يقف اليوم عند مفترق طرق، إما أن يبقى ساحة مفتوحة لصراع الإرادات الدولية، أو يتحول إلى نموذج جديد لإدارة التوازن بين السيادة الإقليمية والضمانات الدولية. وفي الحالتين، يبدو واضحا أن المستقبل لن يُرسم بعيدا عن هذا الممر الضيق، الذي يختصر في مياهه صراع القوى الكبرى ومصالح الدول.
