على غرار الصواريخ والقنابل التي تشعل الشرق الأوسط منذ أسبوعين، بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، اشتعل ميدان آخر بحرب موازية لا تقل ضراوة عن الأولى، إذ تفجّرت الآلاف من الأخبار الكاذبة والمضللة في المنصات الإعلامية الرقمية والتلفزيونية بشكل غير مسبوق منذ اليوم الأول.
بين مشاهد وفيديوهات تُظهر صواريخ “إيرانية” تنهمر على تل أبيب في وضح النهار، وأخرى تُظهر انفجارات غير اعتيادية في طهران، وأخرى يظهر فيها قصف برج خليفة في دبي، ضاع عقل المُشاهد المستهلك لوسائل التواصل الاجتماعي، وسط الكم الهائل من الصور والمقاطع المُتداولة في الصفحات والحسابات الفردية.
انفجار غير مسبوق للأخبار الزائفة
وفقاً لتقرير متخصص صادر عن مؤسسة الاستخبارات مفتوحة المصدر “HOZINT” في يوليو 2025 “أي في حرب 12 يوما”، حول “استخدام التزييف العميق التوليدي في النزاع الإسرائيلي-الإيراني”، حققت حملات التضليل انتشاراً غير مسبوق مستغلة ضعف الرقابة على المنصات، ولّد هذا التوظيف أكثر من 100 مليون مشاهدة لمواد بصرية زائفة ومفبركة، استُخدمت لتعزيز سرديات وتضخيم خسائر الطرفين.
كما وثّق معهد بوينتر (Poynter) المتخصص في تدقيق الحقائق في تقرير مفصل (13 مارس 2026) قيام حسابات على منصات التواصل “خاصة منصة X” بحملات تضليل واسعة عبر ربط مقاطع قديمة بالحرب الحالية. أبرزها، استخدام مقطع الانفجار الكيميائي الضخم الذي وقع في مدينة تيانجين الصينية عام 2015، والترويج له على أنه قصف تدميري حديث داخل طهران.
في هذا الشأن، تقول الصحفية المتخصصة في تدقيق المعلومات ياسمين اللعبي أنّه “تم رصد مئات المنشورات والفيديوهات المضللة على شبكات التواصل، حققت ملايين المشاهدات في ساعات قليلة”، مضيفة أن الأمر “لا يقتصر على صفحات وحسابات فردية، بل منصات إعلامية وقعت في فخ نشر معلومات غير مؤكدة أو صور قديمة، في ظل التسابق لنقل الأخبار خلال لحظات الحرب”.

الذكاء الاصطناعي.. العنصر الأخطر
وأشارت اللعبي في حديثها للوكالة العربية الإفريقية للأنباء إلى أن “المحتوى الأخطر هو ذاك المولد بالذكاء الاصطناعي، حيث انتشرت صور أقمار صناعية مفبركة، ومقاطع تُظهر ضربات عسكرية لم تحدث أصلا، وأخرى تزعم تدمير قواعد عسكرية وأسر جنود”، مُوضحة أن المراد من ذلك هو “صناعة انطباع معين أو دعم رواية دعائية لكل طرف عبر تضخيم الانتصارات أو إظهار خسائر الطرف الآخر”.
ووفقاً لتقرير تحليلي نشره موقع (WGI.world) في 8 مارس 2026 تحت عنوان “استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي والتضليل في صراع 2026″، تم رصد موجة هائلة من الفيديوهات المفبركة. من أبرزها، انتشار مقطع يزعم تصوير هجمات أو توترات عسكرية تتعلق بالقواعد الأمريكية في المنطقة؛ وقد أظهر فحص أداة كشف التزييف Hive Moderation أن المقطع مولّد بالذكاء الاصطناعي بنسبة قاطعة بلغت 99.8%.
التضليل الإعلامي.. مشكلة عالمية
ينتشر المحتوى التضليلي المتصل بأحداث الحرب في كافة مناطق العالم، وتتفاوت سرعة الانتشار وحجمه بين المجتمعات والدول، ويرجع ذلك أساساً إلى الطفرة السريعة في استخدام الإنترنت والاعتماد شبه الكلي على الهواتف الذكية ومنصات التواصل كمصدر أولي وحيد للأخبار.
“لا تقتصر الأخبار والمضللة حول أحداث الشرق الأوسط على المنصات العربية فقط، بل تمتد أيضا إلى منصات إعلامية أمريكية وغربية”، تُضيف ياسمين اللعبي في حديثها، وشرحت ذلك بأن ” بيئة المعلومات الرقمية عابرة للحدود، والمحتوى التضليلي غالبا ما يُعادُ تدويره بين حسابات ووسائل إعلام مختلفة حول العالم”.
وتُلفت المتخصصة في تدقيق المعلومات أنّه “في أحيان كثيرة، يبدأ المحتوى المضلل في السياق الغربي قبل أن يصل للمنصات العربية وتعيد تدويره دون تحقق”، مؤكدّة أن التضليل غير مرتبط بمنطقة أو لغة مُعيّنة، بل تحدّ عالمي يواجه المنظومات الإعلامية، خصوصا في سياق النزاعات حيث تتحول المعلومة إلى جزء من المعركة”.
تصريحات القادة.. تُغذّي فوضى المعلومات
لا تأتي الأخبار الزائفة من فراغ، ولا تُصنع المحتويات المفبركة المرتبطة بالحرب الحالية دون خلفيات، حيث قد تُساهم التصريحات الصادرة عن القادة السياسيين في تغذية فوضى المعلومات خلال فترة الحرب.
توضحّ المدّققة الصحفية اللعبي أن “التصريحات المتناقضة أو المبهمة من شخصيات مثل دونالد ترامب أو بنيامين نتنياهو أو من مسؤولين إيرانيين، تُصعّب على الجمهور ووسائل الإعلام التمييز بسرعة بين ما هو مؤكد وما هو مجرد موقف سياسي أو رسالة دعائية”، مُردفة في ذات السياق أن “الحسابات الرقمية المضللة تستغل هذا الغموض لتفسير التصريحات بطرق مختلفة وإخراجها من سياقها”.
واختتمت اللعبي حديثها بالقول بأن “التصريحات في زمن الحرب هي جزء من الحرب النفسية والإعلامية، حيث يسعى كل طرف لتثبيت سرديته والتأثير في الرأي العام”، مُضيفة أن “التصريحات السياسية تتحول إلى مادة تُعاد صياغتها أو تضخيمها على الإنترنت، ما يُسرّع انتشار المعلومات غير الدقيقة ويزيد من صعوبة التحقق منها في الوقت الحقيقي”.
وتدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث على التوالي، وسط مخاوف متصاعدة من استمرارها وتأثيرها على الاقتصاد الدولي بشكل مقلق، فيما بدأت أسعار النفط والمحروقات في الارتفاع في عدد من الدول بينها المغرب بسبب الاضطرابات في مضيق هرمز الاستراتيجي.
فيما تعمد عدة مؤسسات إعلامية إلى التركيز على التحقق من الأخبار المضللة المُرتبطة بالحرب الحالية، وإنشاء أقسام خاصة بالتحقق من المحتويات الرقمية التي تخلق حالة من الهلع الجماعي لدى المواطنين المعنيين بالحرب سواء في إيران أو لبنان أو فلسطين المحتلة أو دول الخليج العربي.
