تُطرح اليوم تساؤلات متزايدة حول سبب امتناع الدول العربية، وخصوصا الخليجية، عن الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، رغم التوترات المستمرة في الإقليم. غير أن هذا السؤال يقود إلى إشكالية أعمق: هل الصراع الدائر هو فعلًا بين الولايات المتحدة وإيران، أم أنه في جوهره جزء من منافسة أوسع بين الولايات المتحدة والصين على شكل النظام الدولي القادم؟
لفهم هذه المسألة، لا بد من النظر إليها ضمن إطار التحولات الكبرى في بنية النظام العالمي، حيث يتقاطع مشروعان جيوسياسيان متناقضان يسعيان إلى إعادة رسم خرائط النفوذ والاقتصاد في العالم.
المشروع الأول هو المشروع الأمريكي الممتد من المحيط الهندي مرورًا بالهند والشرق الأوسط وصولًا إلى أوروبا، حيث تشكّل إسرائيل فيه ركيزة استراتيجية أساسية ونقطة وصل بين الشرق والغرب، ضمن رؤية تسعى إلى تثبيت الهيمنة الغربية على طرق التجارة والطاقة ومفاصل الجغرافيا السياسية في المنطقة.
في المقابل، يبرز المشروع الصيني المعروف بمبادرة الحزام والطريق، الذي يسعى إلى بناء شبكة واسعة من الممرات البرية والبحرية تربط الصين بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وصولًا إلى البحر المتوسط وأوروبا. وفي هذا السياق، تحتل إيران موقعًا محوريًا باعتبارها عقدة جيوسياسية تربط شرق آسيا بغربها، عبر ممرات تمتد من الصين مرورًا بإيران والعراق وصولًا إلى سوريا ولبنان على شاطئ المتوسط.
انطلاقًا من هذا الواقع، تتحول إيران إلى أكثر من مجرد دولة في معادلة الصراع، بل إلى بوابة استراتيجية يتوقف عليها جزء مهم من نجاح مشروع الحزام والطريق في غرب آسيا. وبالتالي فإن أي محاولة لإضعافها أو إسقاط دورها الإقليمي لا تنفصل عن محاولة ضرب أحد المسارات الحيوية لهذا المشروع.
من هنا يمكن القول إن الصراع الظاهر بين الولايات المتحدة وإيران يخفي في عمقه تنافسا أوسع بين واشنطن وبكين على موازين القوة في النظام الدولي. فإيران، في هذا السياق، تمثل إحدى العقد الجيوسياسية التي يتقاطع عندها هذا التنافس العالمي.
هذا الإدراك يفسر إلى حد بعيد حذر الدول العربية والخليجية في التعامل مع التصعيد ضد إيران. فهذه الدول تجد نفسها بين مشروعين دوليين كبيرين يصعب التنبؤ بمآلاتهما. فمن جهة، ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى ترتبط بعلاقات اقتصادية واستثمارية متنامية مع الصين وروسيا.
لذلك تسعى العديد من الدول العربية إلى الحفاظ على قدر من التوازن في علاقاتها الدولية، وتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة قد تتحول إلى صراع أوسع بين القوى الكبرى. فالدخول في مواجهة مباشرة مع إيران قد يعني عمليًا الانخراط في صراع غير مباشر مع الصين وروسيا، وهو ما قد يهدد مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
كما أن بعض العواصم العربية تدرك أن أي إعادة تشكيل شاملة للإقليم تحت الهيمنة الأمريكية قد تمنح إسرائيل دورًا مركزيًا في البنية الأمنية والسياسية للمنطقة، وهو ما يثير الكثير من الهواجس حول مستقبل التوازنات الإقليمية.
في هذا الإطار، يمكن فهم توجه الدول العربية نحو التهدئة والدعوة إلى وقف التصعيد، ومحاولة الحفاظ على توازن دقيق في الإقليم، رغم الضغوط المتزايدة من مختلف الأطراف.
ولا يقتصر الصراع الجاري على البعد العسكري فقط، بل يمتد إلى صراع على طرق التجارة العالمية، والطاقة، والنظام المالي الدولي. فالممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، لم تعد مجرد ممرات لنقل النفط، بل تحولت إلى أدوات ضغط استراتيجية في المنافسة بين القوى الكبرى. كما أن النقاش المتزايد حول مستقبل هيمنة الدولار وصعود العملات البديلة يعكس انتقال الصراع إلى المجال الاقتصادي والمالي.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن ما يجري في المنطقة يتجاوز بكثير حدود الصراع التقليدي بين دولتين. إنه جزء من تحوّل أوسع في موازين القوة العالمية، حيث تتبدل التحالفات وتتغير الحسابات تبعًا لمعادلات القوة والصمود والقدرة على التأثير في مسارات النظام الدولي الجديد.
