قد تحجب غُبار الحروب الدائرة من إيران حتّى لُبنان مرورًا بكوارثها على الخليج والأردن والعراق، كثيرًا من رؤية المُستقبل، لكن الحقيقة التي سنصل إليها عاجلاً أم آجلاً (وعلى الأرجح عاجلاً) هي أنَّ هذه الحروب قد تكون الأخيرة، وأنَّ العودة إلى المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة من جهة، والإسرائيلية اللُبنانيّة من جهة موازية، باتت قريبة وأنّها ستبقى السبيل الأفضل لوقف هذا الدمار والبحث عن آفاق أخرى.
كان الرئيس جوزيف عون يُدرك من خلال خبرته العسكريّة الطويلة، أنَّ الحرب الأميركيّة ضد إيران قادمة لا محالة، فالحشد العسكريّ الأميركي الكبير في المنطقة الذي حمل في البداية رسالة ” تخويف” إيران كي تخضع بالمفاوضات، كان مرصودًا للانتقال سريعًا إلى الحرب. ولذلك سارع عون الى استباق الآثار الكوارثية التي ستنعكس على لُبنان، وطرح فكرة التفاوض مع إسرائيل بناء على ٤ نقاط: إرساء هدنة طويلة، وتقديم الدعم اللوجستي للجيش والقوى الأمنية اللُبنانيّة، ثم سيطرة الجيش اللُبناني والقوى الأمنية على مناطق التوتر ومصادرة السلاح بما في ذلك سلاح حزب الله والمخازن والمستودعات، على أن تبدأ بعدها المفاوضات اللُبنانية الإسرائيلية المباشرة برعاية دولية..
كان الرئيس عون يُدرك كذلك أنَّ الحرب بين حزب الله وإسرائيل لن تؤدي الاّ إلى مزيد من الموت والدمار والخراب والتهجير، فالحزب نفسه اقتنع بعد كل الخسائر التي أصابته حين انخرط في ” حرب الاسناد” أنّ ذاك الانخراط كان خطأً استراتيجيًّا، وهذا ما أعترف به صراحة بعض قادة الحزب وبينهم رئيس كتلته النيابية الحاج محمّد رعد في الغُرف المُغلقة.
صحيح أن الضغوط الأميركيّة والدوليّة على لُبنان كانت كبيرة في العامين المنصرمين لدفع الجيش اللُبناني صوب معركة نزع سلاح الحزب بالقوّة، لكن قناعة الرئاسة اللُبنانيّة لم تنطلق من هذه الضغوط في سياق رفع الصوت لسحب السلاح الثقيل، بل من أسباب داخلية لُبنانية ومن معادلة القوّة نفسها، والتي برهنت سريعًا أنَّ أي حرب بين الحزب وإسرائيل كانت ستنعكس دمارًا كبيرًا على لُبنان دون أن تُحدث أي خلل في موازين القوى المائلة دائمًا لصالح إسرائيل.
جرت نقاشات طويلة بين الرئاسة اللُبنانية والحزب، وعُرضت أفكار كثيرة من قبل الرئيس عون بشأن هذا السلاح، ولعلّ أهمها أن يكون السلاح الثقيل التابع للحزب في مستودعات الجيش اللُبناني بدلاً من أن تدمره إسرائيل، لكن لا المبعوثين الإيرانيين الى لُبنان، ولا الحزب نفسه قبلا بذلك، لا بل حين زار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني لُبنان، وقال للرئيس عون إن السلاح درعٌ للشيعة في لُبنان، ارتفعت حدة النقاش ولهجته حين قال رئيس الجمهورية لضيفه :” أنا المسؤول عن الشيعة وعن كل اللُبنانيين ولا علاقة لكم بالأمر”.
وحين فوجئت الدولة اللُبنانية بقرار حزب الله الانخراط في الحرب الحاليّة التي بررها بيان الحزب بداية بأنها ثأر لاغتيال المُرشد الإيراني السيد علي خامنئي ثم غيّر البيان ليضيف مسألة حماية لُبنان، وجد الرئيس اللُبناني نفسه أمام واقع تدميري دفعه للحديث عن فخٍ نصبه الحزب لجرّ إسرائيل إلى هذه الحرب. أما رئيس مجلس النوّاب نبيه بري الذي يُقال إنه علِم بقرار حزب الله الذهاب الى الحرب قبل ربع ساعة فقط من اندلاعها، فكان جوابه رفض ذلك قطعيًا.
القرار لعسكرِ الحزب والحرس الثوري لا للسياسيّين
الواقع أن لُبنان تمامًا كإيران، تراجع فيه القرار السياسي عند الحزب لصالح القرار العسكري، وصار التنسيق المُباشر بين الحرس الثوري الإيراني وقوات الرضوان وغيرها في الحزب يجري بعيدًا عن الجانب السياسيّ.
ثمة معلومات يتحدث عنها عسكريو الحزب بأنَّ أنخراطهم في هذه الحرب لم يكن وليد الصُدفة، بل بناء على معلومات كانت قد وصلتهم، تؤكد أن نتنياهو سينقضّ عليهم بعد أن أمضى نحو عام ونصف العام في قصفهم وتهجير سكان الجنوب وقتل عنصرين يوميًا من الحزب. وهم وجدوا الفُرصة مناسبة للانضمام الى الحرب الإيرانية لأنّ انفرادهم بالرد كان سيسمح لإسرائيل وحلفائها بتركيز كل القوة النارية لسحق الحزب.
لكن ماذا بعد؟
يمكن الجزم بأن الرؤوساء الثلاثة في لُبنان، أي رئيس ألجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس النوّاب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزارء نوّاف سلام، مقتنعون تمامًا بضرورة التفاوض المباشر مع إسرائيل بغطاء دوليّ، وإذا كان برّي متحفظًا قليلاً، فهذا لا ينطلق من رفضه الفكرة، بل لأنه لا يُريد أن يكون في الواجهة.
وبعد الوساطات الدوليّة والإقليمية التي نشطت في الفترة الماضية، جرى استمزاج رأي لبنان وإسرائيل في إمكانية العودة الى المفاوضات وتوسيعها، ويبدو ان جواب الطرفين كان ايجابيًّا، .
هل الحزب موافق ؟
الأرجح أنّه لن يوافق مباشرة، لكنه لن يُعطّل، فالبيئة الشيعية التي صار معظمها في الشوارع وتحت الخيم، تحتاج الى إعادة الإعمار والعودة الى المنازل، ثم إن الدمار الكبير الذي لحق بالجنوب والضاحية الجنوبية وقسم من البقاع، بعد سنوات طويلة من الجهد لرفع مستوى التنمية والخدمات والمؤسسات في تلك المنطقة ( وبري نفسه ساهم في الكثير منها سابقًا ويأسف لما أصابها )، يحتاج أيضًا إلى المال والدعم، وبالتالي فبلا مفاوضات وهدنة ثم استقرار ، سيبقى هؤلاء في العراء ويتحولون الى قنبلة موقوتة ليس ضد الدولة بل ربما أيضًا ضد الحزب نفسه.
هل مفاوضات لُبنان مرتبطة بمفاوضات إيران؟
بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمرّر الرسائل التمهيدية لاستئناف المفاوضات مع إيران، وصار يقول إنّ الحرب حقّقت أهدافها وإنه ما عاد ثمة أهداف لقصفها في إيران، والقيادة الإيرانية تستطيع القول إنها لم تسمح لترامب بتحقيق أهدافه وستجد كل المبرّرات للعودة الى المفاوضات من منطلق ” رابح-رابح” .
في معادلة لُبنان، يستطيع حزب الله الآن القول إنّه استعاد جزءا مهمًا من عافيته العسكريّة وإنّه عاد يُهدد إسرائيل، لذلك فإن نتنياهو الذي سيقبل على مضض كبير عودة ترامب للتفاوض مع إيران، سيحاول أن يحقق نتائج عسكرية في لُبنان لفرض شروط تفاوضية أعلى. ولذلك ليس بالضرورة أن تتازمن المفاوضات على المسارين.
من هنا بالضبط تُراهن الدولة اللُبنانية على تقدم المفاوضات وربما نجاحها لسحب البساط من تحت أقدام الساعين إلى إطالة أمد الحرب والتدمير.
الحزب بين السندان الإسرائيل والمطرقة السورية
ثمّة أمرٌ آخر لا بُد من أخذه في الحُسبان، وهو العامل السوري، صحيح أنّ تطمينات أميركية وسعودية وقطرية وتركية وصلت إلى لُبنان بأن لا ضوء أخضر لأي اختراق سوري للأراضي اللُبنانيّة، وصحيح كذلك أن التواصل مستمر بين الرئيس اللُبناني والسوري، لكن الحشود عند الحدود وما يحُكى عن بعض السلاح الذي يتحرّك داخل لُبنان، وعن مستقبل مرفأ طرابلس وأهميته بالنسبة لسوريا في إعادة الإعمار لا بل وفي طرق الهند صوب أوروبا، أمورٌ دفعت البعض للاعتقاد بأن المواجهة بين قوات الشرع وحزب الله قادمة لا محالة.
ربما كل هذه الأمور صحيحة وربما تحتمل الكثير من المغالاة، لكن الأكيد أن حزب الله بات اليوم بين حدودين خطيرتين هما إسرائيل وسوريا، وسيكون من مصلحته في نهاية المطاف أن يوافق على خطوات الرئيس عون في السياق التفاوضي، ولا شك في أن الرئيس بري سيكون أحد أهم المهندسين، فهو لا يريد أن يختم حياته السياسيّة بكارثة على الشيعة بل بإعادة تموضعهم في الدولة على أسس ثابتة.
ولا شك في أن العلاقة الممتازة بين الرئيسين عون وبري تلعب دورًا مهما في هذا السياق، خصوصا ان رئيس الجمهوريّة أثبت للشيعة غير مرة حرصه عليهم كما على بقية طوائف الوطن أكان في التشكيلة الحكومية أو في عدد من المناصب والقرارات والمراسيم،
